Blog
مدونة الابداع الفكري

 معالم الخطاب الإسلامي الجديد

5/9/2009

معالم الخطاب الإسلامي الجديد

 

بقلم/ د.عبد الوهاب المسيري

 

إسلام أون لاين

ورقة أولية

 

يميل بعضنا إلى تصوير الخطاب الإسلامي باعتباره خطابًا واحديًا، أي ذا بُعد واحد. والدين الإسلامي هو ولا شك عقيدة التوحيد، لكن التوحيد لا يعني الواحدية؛ فالتوحيد يعني أن الله الواحد مفارق للإنسان والكونِ منزه عنهما، وهو ما يعني أن الواحد هو الله وحده، وما عدا ذلك فكثير، والخطاب الإسلامي ليس كلام الله، وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان. ومن ثم فهو –أيضًا- متعدد وكثير، وتاريخ المسلمين هو تعبير عن هذه الكثرة والتعددية. ما الأفكار الأساسية لهذا الخطاب؟ وما أسسه الفكرية؟

مستويات الخطاب الإسلامي

نحن نميل إلى تصنيف مستويات الخطاب الإسلامي على النحو التالي:

 1 خطاب إسلامي ظهر مع دخول الاستعمار العالم الإسلامي، وحاول أن يقدم استجابة إسلامية لظاهرتي التحديث والاستعمار، وقد ظل هو الخطاب المهيمن حتى منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي القديم.

2 ظهر خطاب آخر كان هامشيًا، ولكن معالمه بدأت تتضح تدريجيًا في منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي الجديد. ونقطة الاختلاف بين الخطابين هي الموقف من الحداثة الغربية، وهو ما سنبينه فيما بعد.

ولكن إلى جانب هذا التصنيف الثنائي على أساس المرحلة التاريخية قد يكون من المفيد أن نشير إلى تصنيف ثلاثي على أساس حَمَلة الخطاب:

 1 الخطاب الجماهيري (أو الاستغاثي أو الشعبي): وهو خطاب القاعدة العريضة من الجماهير الإسلامية التي شعرت بفطرتها أن عمليات التحديث والعلمنة والعولمة لم يكن فيها خير ولا صلاح لها، كما لاحظت أن هذه العمليات هي في جوهرها عمليات تغريب سلبتها موروثها الديني والثقافي، ولم تعطها شيئًا في المقابل؛ بل أدت إلى مزيد من الهيمنة الاستعمارية والاستقطاب الطبقي في الداخل، هذه الجماهير تحاول التمسك والتشبث بالإسلام (فهي تعرفه جيدًا) إلى أن يأتي الله بالفرج؛ فهي تتحرك بموروثها الإسلامي، وتستغيث في الوقت نفسه من خلال هبَّات تلقائية غاضبة ضد أشكال التغريب المتطرف والغزو الاستعماري تارة، وتارة أخرى من خلال "فعل الخير" الفردي )إعطاء الصدقات) والاجتماعي (تأسيس مساجد ومستشفيات ومدارس وموائد الرحمن…إلخ). ويعبر الخطاب الجماهيري -أحيانًا- عن نفسه من خلال أعمال العنف الاجتماعي، وهذا الخطاب الجماهيري يضم الفقراء بالدرجة الأولى، ولكنه يضم في صفوفه الأثرياء ممن يشعرون بأهمية الموروث القيمي والحضاري، ومن أدركوا أن في ضياعه ضياعًا لكل شيء.

 2 الخطاب السياسي: وهو خطاب بعض أعضاء الطبقة المتوسطة من المهنيين والأكاديميين وطلبة الجامعات والتجار ممن شعرواأيضًا- بالحاجة إلى عمل إسلامي يحمي هذه الأمة. وقد أدركوا أن العمل السياسي هو السبيل إلى هذا، فقاموا بتنظيم أنفسهم على هيئة تنظيمات سياسية لا تلجأ للعنف، تتبعها تنظيمات شبابية ومؤسسات تربوية. ويميل بعض حملة الخطاب السياسي إلى محاولة الاستيلاء على الحكم بالقوة، أما بعد عام 1965م (كما سنبين بعد) فيلاحظ أن ثمة اتجاهًا عامًا نحو العمل من خلال القنوات الشرعية القائمة، واهتمامُ حملة هذا الخطاب يكاد ينحصر في المجال السياسي والتربوي.

 3 الخطاب الفكري: هو الخطاب الذي يتعامل أساسًا مع الجانب التنظيري الفكري داخل الحركة الإسلامية. وهذا التقسيم لا يعني انفصال مستويات الخطاب الثلاثة؛ فالخطاب الجماهيري والسياسي متداخلان، وقل الشيء نفسه عن الخطابين السياسي والفكري، ورغم انفصال الخطاب الجماهيري عن الخطاب الفكري إلا أن تداخلاً يحدث بينهما من خلال الخطاب السياسي وهكذا، ولكن رغم تأكيد هذه الوحدة الأساسية بين مستويات الخطاب الثلاثة نجد أنه من المفيد من الناحية التحليلية أن نفترض استقلالها الواحد عن الآخر. وهذه الورقة الأولية ستركز بالدرجة الأولى على الخطاب الفكري الإسلامي، وبدرجة أقل على الخطاب السياسي، وهي تهدف إلى التمييز بين الخطاب الإسلامي القديم والخطاب الإسلامي الجديد أملاً في تحديد بعض معالم الخطاب الجديد، فأية حركة فكرية وسياسية يجب أن تتوقف من آونة لأخرى لتتأمل ذاتها وتجرد بعض الملامح والخطوط العامة لحركتها؛ حتى تتمكن من تطوير نفسها وتعميق أطروحاتها.

الموقف من الحداثة الغربية

لنبدأ محاولة التمييز هذه من نقطة محورية؛ أي موقف كل من الخطاب الإسلامي القديم والجديد من الحضارة الغربية؛ فهذا الموقف هو الذي حدد كثيرًا من ملامحهما وتوجههما وأطروحاتهما. ويجب أن ندرك أن دعاة الإصلاح الأُوَلَ كانوا يتعاملون مع الحضارة الغربية في مرحلة مختلفة عن المرحلة التي نتعامل نحن فيها مع هذه الحضارة، فرغم أن النموذج العلماني (الشامل) هو النموذج الأساسي في التشكيل الحضاري الغربي الحديث منذ بدايته، ورغم أنه يشغل المركز في وجدان الإنسان الغربي الحديث ويشكل رؤيته إلى الكون، ورغم أن الحضارة الغربية الحديثة كانت قد اتضحت هويتها باعتبارها حضارة إمبريالية شرسة: إلا أنها مع هذا كانت تحوي قدرًا كبيرًا من الثبات والإيمان بالقيم المطلقة على مستوى الرؤية إن لم يكن -أيضًا- على مستوى الممارسة، كما كانت هذه الحضارة تدعي أنها حضارة إنسانية هيومانية متمركزة حول الإنسان، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم يكن كثير من الظواهر المرضية التي تسم المجتمعات الغربية في الوقت الحاضر قد ظهر بعد، وقد يكون من المستحسن أن نتصور العلمانية (الشاملة) لا باعتبارها نموذجًا ثابتًا، وإنما باعتبارها متتالية آخذة في التحقق تدريجيًا في الزمان والمكان، فالحياة الخاصة كانت لا تزال بمعزل عن عمليات العلمنة، فكان الإنسان الغربي علمانيًا شاملاً في حياته العامة متدينًا ملتزمًا بأهداب الفضيلة وبالمنظومة الدينية المسيحية في حياته الخاصة؛ ولذا فالحضارة الغربية لم تكن حضارة علمانية مادية تمامًا، فالقيم (الدينية والإنسانية) كانت تلعب فيها دورًا واضحًا إيجابيًا؛ منحها قدرًا من التماسك والغائية.

 وحينما احتك المصلحون الإسلاميون الأُوَلُ بهذه الحضارة فهم لم يحتكوا بحضارة علمانية بالمعنى الشامل، وإنما احتكوا بحضارة علمانية بشكل جزئي تمت علمنة بعض جوانب الحياة العامة فيه فحسب، ولم تكن الحلقات الأخيرة من متتالية العلمانية الشاملة قد تحققت بعد؛ أي أن كثيرًا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطًا ثابتًا وظاهرة محددة كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها. علاوة على هذا لم يكن الخطاب النقدي الغربي للحداثة والاستنارة قد تبلور بعد، رغم تعالي بعض الأصوات، فالأدب الرومانتيكي الغربي على سبيل المثال هو في جوهره أدب احتجاج على كثير من جوانب الحداثة الغربية، وكتابات المفكر الإنجليزي "إدموند بيرك" وبعض المفكرين المحافظين تحتوي على إشارات لكثير من الموضوعات التي طوَّرها الخطاب النقدي الغربي فيما بعد، إلا أن مثالب الحضارة الغربية -سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الممارسة- لم تكن مسألة واضحة بعد لدارسي ومراقبي هذه الحضارة.

 أما بالنسبة لحملة الخطاب الإسلامي الجديد فالوضع جدُّ مختلف؛ فمعظمهم قد تشكل فكريًا في الخمسينيات واحتك بالحضارة الغربية في الستينيات. ونحن نذهب إلى أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة الأزمة في تلك الآونة، وأدرك كثير من مفكريها أبعاد الأزمة والطريق المسدود الذي دخلته منظومة الحداثة الغربية. (انظر: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، أربعة أجزاء، القاهرة، ديسمبر 1997م). إن حملة الخطاب الجديد أدركوا من البداية الجوانب المظلمة للحضارة الغربية الحديثة التي أدخلت العالم في حربين غربيتين يقال لهما "عالميتين"، لأنهما جرّتا العالم بأسره إلى حلبة الصراع وأتون الحرب وتزايد إنتاج أسلحة الفتك والدمار حتى تبين للجميع أن هذه الحضارة قادرة على بناء قبر يكفي لدفن العالم (على حد قول رجاء جارودي.) وتزايد توغل الدولة القومية المركزية وتمكنت من الوصول إلى الجميع والتحكم فيهم من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية. وتزايد تغلغل الإعلام في الحياة الخاصة للبشر، الأمر الذي زاد من تنميطهم، وتزايدت همينة قطاع اللذة على الجماهير، وهو ما أدى إلى تزايد الإباحية، كما تزايدت معدلات الطلاق بشكل لم يسبق له مثيل؛ وظهرت أزمة المعنى والأزمة المعرفية والأزمة البيئية، ولم يعد الاقتصاد الحر ناجحًا كما كان في الماضي. وفقدت التجربة الاشتراكية مصداقيتها. وظهرت الاتجاهات الفكرية المعادية للإنسان مثل الفاشية والنازية والصهيونية والبنيوية؛ وهي اتجاهات وصلت إلى ذروتها في فكر ما بعد الحداثة.

 ومع منتصف الستينيات تبلور الخطاب النقدي الغربي وأصبحت أعمال مدرسة فرانكفورت متداولة بين الكثيرين، فظهرت دراسات كثيرة في نقد فكر عصر التنوير في الغرب، وكان "ماركوز" بحديثه عن تنميط الحضارة الغربية والإنسان ذي البعد الواحد يبين أن ثمة خللاً بنيويًا في صميم الحضارة الغربية يتجاوز التقسيم التقليدي المتبع الذي يقسمها إلى حضارتين: واحدة اشتراكية والأخرى رأسمالية. وأعاد كثير من المؤرخين المراجعين كتابة تاريخ الحضارة الغربية ليبينوا حجم جرائمها ضد شعوب آسيا وأفريقيا وحجم النهب الاستعماري. وظهرت كذلك كثير من الدراسات التي توجه سهام النقد الجذري إلى نظريات التنمية، وكان لحركة اليسار الجديد إسهام في هذا المضمار. ولذا فسواء على مستوى الممارسة أو على مستوى الفكر لم يكن من الصعب على حملة الخطاب الإسلامي الجديد من دارسي الحضارة الغربية في منتصف القرن العشرين أن يعرفوا مثالبها، كما لم يعد بوسعهم أن يمارسوا ذلك الإعجاب الساذج بها، الذي مارسه الكثير من أعضاء الجيل الأول، فالحضارة الغربية التي عرفوها وخبروها مختلفة في كثير من جوانبها عن تلك الحضارة الغربية التي عرفها وخبرها ودرسها جيل الرواد. وشتان ما بين الخبرتين؟

استجابات الخطاب الإسلامي لتحدي الحداثة الغربية

 

يجب أن نؤكد أن كلا الجيلين -القديم والجديد- لم يؤسس منظومته الفكرية انطلاقًا من المنظومة الإسلامية فحسب، وإنما نتيجة تفاعله مع الحضارة الغربية في الوقت ذاته، وهذا أمر طبيعي للغاية؛ فهي الحضارة التي فرضت سيطرتها على العالم، واكتسبت مركزية بحكم الانتصارات العسكرية التي حققتها، وطرحت رؤيتها في كل المجتمعات، وفرضت نفسها باعتبارها مستقبل البشرية جمعاء. وألقت بالتحدي الذي كان على الجميع الاستجابة له شاءوا أم أبوا.

 وباختلاف نوع التحدي وحدَّته اختلفت الاستجابة، وقد وجد المصلحون الأوائل جوانب إيجابية كثيرة في هذه الحضارة الغربية، بل أكاد أقول: إنهم انبهروا بها، وهذا ما عبر عنه الشيخ محمد عبده في عبارته الشهيرة: "لقد وجدت هناك مسلمين بلا إسلام، ووجدت هنا إسلامًا بلا مسلمين". ولذا كانت استجابة الجيل الأول للتحدي الغربي هي: كيف يمكن أن نلحق بالغرب؟ وكيف يمكن أن ننقل تلك المنظومة الرائعة إلى حضارتنا مع الاحتفاظ بقيمنا وبشيء من هويتنا؟

ولكن لو كانت خبرة الشيخ محمد عبده مع الحضارة الغربية مثل خبرتنا لتردد كثيرًا قبل أن يقول قولته هذه، وقبل أن يطرح معالم مشروعه. وثمة واقعة تاريخية توضح النقطة التي أود أن أصل إليها: كان الشيخ رفاعة الطهطاوي يعيش في باريس عام 1830م –ومسألة إعجابه بالحضارة الغربية مسألة معروفة لدى الجميع-، ولكن في هذا العام نفسه كانت مدافع القوات الفرنسية تدكّ القرى الجزائرية الآمنة دكًّا، كان الشيخ رفاعة الطهطاوي لا يرى من حوله إلا النور الساطع (الذي يعشي الأبصار)، ولا يسمع سوى الإيقاع المتحضر المدوي (الذي يغطي على كل الإيقاعات الأخرى)، أما الشيوخ الجزائريون الذين كانوا يجلسون في قراهم البسيطة فكانوا لا يرون إلا ألسنة النيران المندلعة، ولا يسمعون سوى قعقعة القنابل، وتورد إحدى كتب التاريخ أنه قيل لأحد هؤلاء الشيوخ: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية في ربوع الجزائر. وجاء رده جافًّا ومقتضبًا ودالاً؛ إذ قال: ولمَ أحضروا كل هذا البارود إذن؟ نحن -مثل هذا الشيخ الجزائري- شممنا رائحة البارود، وشاهدنا ألسنة اللهب، وسمعنا قعقعة المدافع، ورأينا سنابك خيولهم وهي تدوس كل شئ، ثم رأينا البارود وهو يزداد انتشارًا، وشاهدنا مقدرته وهي تتحسن في الأداء بشكل مذهل إلى أن أصبح قنابل وصواريخ وأسلحة جرثومية ونووية، تخصصت لإنتاجها نسب مئوية عالية في ميزانيات الحكومات الغربية (ثم الشرقية والجنوبية والشمالية)، حتى أصبحت صناعة أسلحة الفتك من أهم الصناعات في عالمنا الحديث.

لو كان الشيخ رفاعة أو الشيخ عبده قد شمَّا رائحة البارود كما فعل الشيخ الجزائري وكما نفعل نحن لما تحدث أي منهما عن مسلمين بلا إسلام. ولكن لأن رائحة البارود كانت متخفية، وكان النور ساطعًا يعشي الأبصار أصبحت القضية بالنسبة لكثير من حملة الخطاب القديم (كما أسلفنا) هي كيفية التصالح مع الحداثة الغربية واللحاق بها والتكيف معها، وكيفية المزاوجة بين الإسلام والحداثة، هذا هو جوهر مشروع محمد عبده الذي ساد حتى منتصف الستينيات من هذا القرن، وهو ما نشير إليه بوصفه الخطاب الإسلامي القديم.

وهكذا أصبحت المنظومة الإسلامية جزءاً من المنظومة العامة التي سادت العالم الثالث منذ بداية القرن الحالي. حين كان الجميع يبذلون قصارى جهدهم في اللحاق بالغرب والتنافس معه على أرضيته. وقد نادى الليبراليون في بلادنا بتبني المنظومة الغربية الحديثة بحلوها ومرها، وتمرد الماركسيون قليلاً وطرحوا إمكانية أن ندخل الحداثة الغربية من خلال بوابات الماركسية والدفاع عن مثل العدالة الاجتماعية. أما الإسلاميون فقد تصوروا إمكانية تبني منظومة الحداثة الغربية ومزجها بالإسلام، ولكن الجميع -رغم اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم- قد حوّل الغرب إلى المرجعية الشاملة الصامتة، وهذه هي رؤية الكون الكامنة وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي، وبطبيعة الحال تراجعت المنظومة الإسلامية وتقلصت أبعادها وفقدت شمولها باعتبارها رؤية الكون، وبدلاً من طرح تصورات إسلامية لكل مجالات الحياة أصبحت القضية هي "أسلمة" بعض جوانب الحداثة، وكانت هذه الأسلمة تأخذ في معظم الوقت شكل "حذف" المحرمات بلا إضافة ولا إبداع، وتأكيد الجوانب "الحلال" في الحضارة الغربية أو البحث عن تلك الجوانب في المنظومة الإسلامية التي لها ما يقابلها في تلك الحضارة الغربية (الأمر الذي يعني ضمور الجوانب الأخرى التي تشكل صميم خصوصية المنظومة الإسلامية).

حملة الخطاب الإسلامي الجديد لا يشعرون بالإعجاب نفسه تجاه الحداثة الغربية، ولذا نجد أن خطابهم ينبع من نقد جذري لها، وهم في هذا لا يختلفون عن كثير من المفكرين والحركات السياسية في العالم الثالث والعالم الغربي في الوقت الحاضر، فالماركسية هي شكل من أشكال نقد الحداثة، نبعت من مدرسة فرانكفورت التي عمقت هذا النقد، والأدب الرومانتيكي (كما أسلفنا) كان احتجاجًا على الحداثة الغربية، ولكن احتجاج الأدب الحداثي كان أكثر عمقًا وجذرية؛ فهو الذي يصور عالم الحداثة المتشييء، حيث يتحول الإنسان إلى شئ وتفقد الأشياء معناها وتنكسر حلقة السببية تمامًا، ومسرح العبث هو جزء من هذا الاحتجاج الغربي على الطريق المسدود الذي أوردتنا إياه الحضارة الغربية، وقد ظهرت أخيرًا الأصولية الدينية كامتداد جماهيري شعبي لهذا الاتجاه الفكري، وفي العالم الثالث نجد أن الفكر القومي هو في جوهره محاولة لدخول عالم الحداثة من بوابات غير غربية ودون فقدان الخصوصية، أي أنه ثمة إدراكاً ضمنياً مفاده أن الحداثة الغربية تنزع الخصوصية عن الإنسان وتفرغه من مضمونه الإنساني. والخطاب الإسلامي الجديد هو جزء من هذا التيار العالمي الأكبر، وليس مقصورًا علينا بأية حال، فثمة إحساس بأزمة الحداثة الغربية أخذ أشكالاً مختلفة في أرجاء العالم وأخذ شكلاً إسلاميًا في العالم الإسلامي. ومع هذا يمكن القول بأن النقد الإسلامي للحداثة يختلف عن أشكال نقد الحداثة في بقية العالم؛ إذ أنه يدرك مدى ارتباط منظومة الحداثة الغربية بالإمبريالية الغربية، ويدرك صعوبة فصل الواحد عن الآخر )والإمبريالية على أية حال كانت هي أول تجربة لنا مع الحداثة والاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو آخرها(. كما أن النقد الإسلامي للحداثة يتسم بأنه متفائل لأنه يطرح حلولاً على عكس النقد الغربي للحداثة فهو متشائم عدمي.

سمات الخطاب الإسلامي الجديد

 

الموقف من الحداثة الغربية هو نقطة الانطلاق الأساسية التي تتفرع عنها كل السمات الأخرى التي يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1 - رفض فكرة المركزية الغربية:

الخطاب الإسلامي الجديد ليس اعتذاريًا، ولا يحاول أن يقول: نحن سبقنا الغرب في كذا وكذا، ولا يتحدث عن الأمجاد الغابرة، ولا يبذل دعاته مجهودًا كبيرًا في محاولة تحسين صورة الإسلام في الخارج. ومع هذا لا يرفض حملة الخطاب الجديد الغرب بشكل قاطع ولا يصورونه باعتباره مصدرًا لكل الشرور، فموقف الرفض الكامل للغرب شأنه شأن القبول الكامل له يفترض الغرب كمرجعية صامتة.

ما يرفضه الخطاب الإسلامي الجديد في واقع الأمر هو المركزية والعالمية التي يضفيها الغرب على نفسه (ويضفيها الآخرون عليه)، كما يرفض الخطاب الإسلامي الجديد الإمبريالية الغربية (المرتبطة بادعائه المركزية)، وعمليات النهب والقمع التي قام بها في الماضي والتي تأخذ أشكالاً جديدة في الحاضر لا تقل ضراوة عن سابقتها، وهو يرفض الجوانب السلبية في الحداثة الغربية ويدرك أزمتها تمام الإدارك.

2 - الرؤية المتكاملة والانفتاح النقدي:

رغم أن الخطاب الإسلامي الجديد يدرك أزمة الحداثة الغربية، ويدرك –أيضًا- أنه لا يوجد أي مبرر لارتكاب أخطاء الآخرين وسلوك الطريق المسدود الذي أدى إلى أزمتهم، إلا أننا لسنا مثل الشيخ الجزائري الذي شم رائحة البارود ولم ير شيئًا آخر في الحضارة الغربية الحديثة. نعم لقد قرأنا الأرض الخراب لإليوت، ومسرحيات بيكيت، وروايات كامي العبثية، وكتابات دريدا العدمية، ونعرف أن الغرب قد بنى بنيته التحتية من خلال عمليات النهب (التي أدت إلى التراكم الإمبريالي وليس إلى التراكم الرأسمالي كما يقولون)، ولكننا نعرف –أيضًا- نظريات المعمار الغربية، وكيفية استخدام الحاسوب، ونظريات الإدارة المختلفة، والآفاق الواسعة التي فتحتها الحداثة الغربية، فنحن نعرف مزايا هذه الحداثة تمامًا مثلما نعرف أنها يمكن أن توردنا مورد الهلكة، وندرك أنها منظومة طرحت أسئلة محددة على العالم لا مناص من الإجابة عليها، فعقولنا ليست صفحة بيضاء، والبداية الإسلامية لا يمكن أن تكون من نقطة الصفر الافتراضية، ومن هنا تأتي ضرورة بل وحتمية الاشتباك والتفاعل مع الحداثة الغربية واستيعاب ثمراتها دون أن نُستوعب في منظومتها القيمية. باختصار شديد: الخطاب الإسلامي الجديد لا يرى أي مبرر لاستيراد الحداثة الغربية بحلوها ومرها. كما لا يدعو لرفضها بحلوها ومرها، فهو يقف على أرضيته الإسلامية ويطور رؤيته للحداثة الغربية ثم ينفتح عليها ويوجِّه النقد لها ويتفاعل معها، وهذا ما يمكن تسميته بالانفتاح النقدي التفاعلي. (على عكس الانفتاح السلبي المتلقي أو الرفض الشامل المصمت الذي يتأرجح بينهما الخطاب القديم).

3- خطاب جذري توليدي استكشافي-

الخطاب الإسلامي القديم خطاب توفيقي تراكمي (وهذا نابع من تقبله لكثير من جوانب الحداثة الغربية)، حيث يأخذ أجزاءً جاهزةً من المنظومة الإسلامية (دون أن يدرك أن الإسلام يقدم رؤية شاملة للكون)، ثم يضيف هذا إلى ذاك، أما الخطاب الجديد فهو خطاب جذري توليدي استكشافي لا يحاول التوفيق بين الحداثة الغربية والإسلام، ولا يشغل باله بالبحث عن نقط التقابل بين المنظومة الغربية الحديثة والمنظومة الإسلامية؛ فهو يبدأ من نقد جذري للحضارة الغربية الحديثة، ويحاول اكتشاف معالم المنظومة الغربية الحديثة (باعتبارها رؤية كاملة للكون)، والإمساك بمفاتيحها مع الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها، وهو يعود للمنظومة الإسلامية بكل قيمها وخصوصيتها الدينية والأخلاقية والحضارية ويستبطنها ويستكشفها ويحاول تجريد نموذج معرفي منها، يمكنه من خلاله توليد إجابات على الإشكاليات التي تثيرها الحداثة الغربية وعلى أية إشكاليات أخرى جديدة، ويرتبط بهذا المنهج التوليدي المحاولات الحديثة الرامية لتجديد الفقه من الداخل، فهي لا تنبع من محاولة فرض المقولات التحليلية الغربية على المنظومة الإسلامية، وإنما تحاول أن تكشف المقولات الأساسية لهذه المنظومة، ويتم التجديد والإصلاح من خلال التوليد منها هي ذاتها، باختصار شديد: الخطاب الجديد –انطلاقًا من أرضية إسلامية- يفتح باب الاجتهاد بالنسبة للمنظومة الغربية والموروث الثقافي الإسلامي.

4 - يصدر عن رؤية معرفية شاملة-

الخطاب الإسلامي الجديد لا يقنع باستيراد الإجابات الغربية الجاهزة على الأسئلة التي يطرحها عليه الواقع، ويتسم بأنه بالضرورة خطاب شامل، فهو على المستوى الجماهيري يطرح شعار (الإسلام هو الحل)، ولكن على المستوى الفلسفي يطرح شعار (الإسلام هو رؤية للكون)، وهو يتعامل مع كل من اليومي والمباشر والسياسي والكلي والنهائي؛ أي أن الخطاب الإسلامي الجديد يصدر عن رؤية معرفية شاملة يولد منها منظومات فرعية مختلفة: أخلاقية وسياسية واقتصادية وجمالية، فهو منظومة إسلامية شاملة تفكر في المعمار والحب والزواج والاقتصاد وبناء المدن والقانون وفي كيفية التحلي والتفكير، وفي توليد مقولات تحليلية مستقلة، ولذا فالخطاب الإسلامي الجديد لا يقدم خطابًا للمسلمين فحسب وإنما لكل الناس، حلاً لمشاكل العالم الحديث، تمامًا مثلما كان الخطاب الإسلامي أيام الرسول –عليه الصلاة والسلام-.

5 - القدرة على الاستفادة من الحداثة الغربية:-

بسبب انفتاح الخطاب الجديد بشكل نقدي تفاعلي على الحداثة الغربية نجده قادرًا على الاستفادة بشكل خلاق منها دون أن يُستوعب فيها، فمقولات مثل: الصراع الطبقي، وضرورة التوزيع العادل للثروة، وقضية المرأة، وأثر البيئة على تشكيل شخصية الإنسان: هي قضايا كانت مطروحة داخل المنظومة الإسلامية، ولكن حساسية الخطاب الجديد وإداركه المتعمق لها ازداد من خلال احتكاكه بالحداثة الغربية. كما أن حملة الخطاب الجديد لا مانع عندهم من الاستفادة بهذه الحداثة في اكتشاف آليات الحلول أو حتى الحلول ذاتها، طالما أنها لا تتناقض مع النموذج الإسلامي.

6 القدرة على إدراك أبعاد إنسانية جديدة:-

الانفتاح على المنظومة الغربية والتفاعل النقدي معها يجعل الخطاب الجديد مدركًا لأبعاد كان من الصعب إدراكها دون هذا التفاعل، فمسائل مثل: العلاقات الدولية، والكوكبة والبعد الكوني في الظواهر المحلية، وخطورة الإعلام والدولة المركزية، وزيادة وقت الفراغ، وعمليات التنميط التي تسم الحداثة الغربية هي: أمور لم تكن مطروحة على الإنسان من قبل. ومن ثم لم يطرحها الخطاب الإسلامي القديم

7 القدرة على اكتشاف الإمكانات الخلاقة للمنظومة الإسلامية:-

اكتشف الخطاب الإسلامي الجديد أن الانفتاح على الحداثة الغريبة ودراستها بشكل نقدي خلاق قد يفيد في تنمية الوعي النقدي؛ فمن خلال معرفة الآخر والتعمق في معرفته سندرك الطريق المسدود الذي دخله، وحجم الكارثة التي يعاني منها، فنزداد معرفة وثقة بأنفسنا، وإدراكاً لذاتنا بكل أبعادها، وسيساعدنا هذا الموقف المنفتح النقدي التفاعلي على اكتشاف الإمكانات التوليدية الخلاقة داخل المنظومة الإسلامية.

8 - أسلمة المعرفة الإنسانية:-

يدرك الخطاب الإسلامي الجديد أن العلوم الإنسانية ليست علومًا دقيقة عالمية محايدة (كما يدعي البعض)، وأنها تحتوي على تحيّزات إنسانية عديدة تختلف بشكل جوهري عن العلوم الطبيعية، وأنها لا تفقد قيمتها لذلك، بل إنها تزداد مقدرة على التعامل مع ظاهرة الإنسان، وينبع الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية من أن الموضوع الأساسي للعلوم الإنسانية أي الإنسان لا يمكن ردّه في كليته إلى النظام الطبيعي/المادي، فالواقع الإنساني غير مترادف مع الواقع المادي رغم وجود الإنسان في عالم الطبيعة /المادة، ولذا فالخطاب الإسلامي الجديد يحاول أن يؤسس علومًا إنسانية لا تستبعد الإنسان، ومن ثم فهي مختلفة في منطلقاتها وطموحاتها ومعاييرها عن العلوم الطبيعية، ولا نزعم أنها محايدة منفصلة عن القيمة، بل تعبّر عن المنظومة القيمية الإسلامية (وهذه هي إسلامية المعرفة).

- يدرك حملة الخطاب الجديد ما يسمى "العلم في منظوره الجديد"، وهو علم يحتوي على مفاهيم مثل: اللامحدد، ولا يتحرك داخل إطار المفاهيم السببية الصلبة التي كان يتحرك العلم القديم في إطارها

9 - تأسيس معجم حضاري متكامل ومستقل:-

يدرك الخطاب الإسلامي الجديد أن مفردات المعجم الغربي ليست جزءاً من معجم لغوي فحسب، وإنما هي جزء من معجم حضاري متكامل، فكلمات مثل "التقدم" تجسد مفاهيم، وتوجد داخل سياق حضاري مركب يحدد مضمونها ومعناها.

- من أهم ثمرات الانفتاح النقدي على الغرب إدراك تركيبية مقولة العقل والتناقضات الكامنة فيه، فكلمة "العقل" في المنظومة الإسلامية تحمل معنى محددًا، وقد تصور الجيل السابق (بسبب إعجابه بالحضارة الغربية ولعدم تملكه لناصية خطابها الحضاري) أن كلمة "عقل" في المعجم الفلسفي الغربي الحديث مترادفة مع كلمة "عقل" في المعجم الإسلامي، ولذا كان هناك إعجاب عميق بالعقلانية الغربية وبفكر حركة التنوير الغربية، ولكن الخطاب الجديد على علم بالدراسات النقدية الغربية في قضية العقل والتي قامت بتقسيمه إلى عشرات العقول: العقل الأداتي، العقل النقدي، العقل الوظيفي، العقل الإمبريالي، العقل المجرد…..إلخ، كما تتحدث هذه الدراسات عن "نفي العقل"، و"تدمير العقل"، و"تفكيك العقل"، و"إزاحة العقل عن المركز"، ولذا لم يعد من الممكن افتراض أن كلمة "عقل" وردت في المعجم الإسلامي مرادفة لكلمة "عقل" كما وردت في المعجم الغربي الحديث، ومع ظهور النزعات اللاعقلانية والعبثية في الغرب أصبحت المسألة أكثر وضوحًا وتبلورًا.

10 التمييز والفصل بين إنجازات الغرب وبين رؤيته القيمية:-

يدرك الخطاب الإسلامي الجديد قضية انفصال العلم والتكنولوجيا والإجراءات الديموقراطية عن القيمة والغائية الإنسانية. ويحاول الخطاب الإسلامي الجديد حل هذه الإشكاليات، فمثلاً: في حالة انفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة يحاول الخطاب الإسلامي الجديد الاستفادة من العلم والتكنولوجيا وكل ثمرات الحضارة الغربية دون أن يتبنى رؤيتها للكون، بحيث يمكن مزاوجة الرؤية العلمية التي تدعي الحياد والمنظومة القيمية الإسلامية، بل ويسير الشيء نفسه على الديموقراطية، فمحاولة التمييز بين الديموقراطية والشورى هي محاولة لاستيعاب الإجراءات الديموقراطية داخل المنظومة القيمية الإسلامية بحيث لا تصبح الإجراءات الديموقراطية المتجردة من القيمة هي المرجعية، وحتى تظل الإجراءات وسيلة لا غاية.

11 إدراك المكون والبعد الحضاري للظواهر والأشياء المستحدثة:-

يدرك الخطاب الجديد المكون الحضاري في الظواهر؛ فالخطاب القديم يقف عند حدود التمييز بين الحلال والحرام، فالسيارة والهامبورجر لا شك حلال، واللحم المُعلَّب إن كان لا يحتوي على مكونات الخنزير حلال … وهكذا، أما البعد الحضاري الكامن في السيارة، وأنها وما حولها هي رؤية كاملة للكون، فهذا ما لم يدركه الرواد (وهذا ما لم يكن يدركه الإنسان الغربي نفسه آنذاك). انظر السيارة على سبيل المثال، حينما يدير المرء مفتاح سيارته، فهو لا يتعامل مع مجرد آلة توصله من مكان لآخر، بل يتعامل مع رؤية كاملة للكون يتطلب تسييرها البحث عن البترول، وشق بطن الأرض وحمل البترول عبر البحار، الأمر الذي يتسبب عنه تلويث الجو والبر والبحر، ثم تؤسس مدن على أساس ضرورة تعظيم سرعة السيارة، فتهدم الأحياء التقليدية والمباني التراثية، وتصبح السرعة هي المعيار الوحيد للحكم على مدى صلاحية المدينة أو فسادهاوهكذا، وقل الشيء نفسه عن "ساندوتش الهامبورجر" و"التيك آواي". فالمكون الحضاري الكامن في هذه السلع –التي تبدو بريئة تمامًا، وحلالاً بشكل قاطع، ولا غبار عليها من الناحية الدينية المباشرة- مرتبط برؤية للكون تقف على طرف النقيض من رؤية الكون الإسلامية، وهذا ما يدركه دعاة الخطاب الإسلامي الجديد.

- يتضح إدراك الخطاب الإسلامي الجديد لأهمية المكون الحضاري في تقبله لفكر القومية، فحملة هذا الخطاب لا يجدون أي مبرر للمواجهة مع الحركات القومية ذات التوجه العلماني، فالخطاب الإسلامي الجديد يقبل التنوع الحضاري داخل إطار الوحدة الإسلامية العالمية، كما أنه يدرك أهمية التحالف مع العناصر القومية في المواجهة العامة مع الإمبريالية العالمية والنظام العالمي الجديد.

12 تأسيس رؤية إسلامية مستقلة في التنمية:-

الخطاب الإسلامي الجديد مدرك تمامًا لمشكلة البيئة وأن مفاهيم مثل التقدم الدائم وغير المتناهي (وهي مفاهيم محورية في الحداثة الغربية) معادية للطبيعة والإنسان وللحدود، وفي نهاية الأمر لله، فهي مفاهيم كافرة. ومن هنا بحث الخطاب الجديد الدائب عن مناهج جديدة في الإدارة ونماذج جديدة في تطوير الدولة (وهي تعبير عن اهتمام الخطاب الجديد بالخصوصية)، ولعل من أهم القضايا التي تشغل الخطاب الجديد هي نظرية التنمية، فالخطاب الجديد يرى أن نظريات التنمية الإسلامية لا بد أن تكون مختلفة جذريًا عن نظريات التنمية الغربية التي تروج لها المنظمات التي يقال لها دولية، والتي أثبتت فشلها في الممارسة، والتي أدت إلى الأزمة البيئية، ويرتبط بهذا نقد الخطاب الجديد للدعوة المستمرة إلى الاستهلاك المتصاعد، (ثورة التوقعات المتزايدة) وإدراكه لمدى خطورته على البيئة والمصادر الطبيعية وكيان الإنسان النفسي.

13 طرح النسبية الإسلامية كبديل عن النسبية المطلقة:-

الخطاب الإسلامي الجديد مدرك للقضية الفلسفية الأساسية في العالم الحديث، وهي قضية النسبية المعرفية التي تؤدي إلى العدمية، وهو يطرح في مقابلها ما أسماه (النسبية الإسلامية) التي تذهب إلى أن ثمة مطلقا واحدًا وهو الله سبحانه وتعالى، ولكن بسبب وجود الإله المطلق خارج الزمان والمكان والبشر، يصبح مركز الكون الذي يمنحه الهدف والغاية والمعنى، وهو ما يعني أن العالم لا يسقط في النسبية المطلقة ومن ثم اللامعنى، فالنسبية الإسلامية وهي نسبية نسبية -انطلاقًا من هذا- ثمة إدراك لتركيبتها الحقيقة ونسبية كثير من جوانبها وتغيرها وحركيتها، وثمة إدراك لما يوجد من تداخل بين المطلق والنسبي، وأن الخطاب الإنساني هو أولا وأخيراً اجتهادات يقوم بها بشر داخل الزمان والمكان في محاولة دائبة لفهم كلام الله.

14 الإيمان بالحركة والتدافع كأساس للحياة:-

كل هذا يعني الإيمان بفكرة التدافع وأن العالم ليس في حالة جمود وإنما هو في حالة حركة، والتدافع ليس بالضرورة الصراع، حتى إن أخذ هذا الشكل أحيانًا، وثمة إيمان -أيضًا- بفكرة التداول، فالثبات لله وحده، ونحن لسنا بمفردنا في هذا العالم. كل هذا يعني في واقع الأمر قبول التعايش مع الآخر واكتشاف الرقعة المشتركة معه، ومن هنا ظهر فقه الأقليات الحديث، سواء الأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية أو الأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة، وهذا الفقه يصدر عن مفاهيم العدل والمساواة في الإسلام.

15 إدراك مشكلات ما بعد الحداثة:-

نجد في الخطاب الإسلامي –أيضًا- إدراكًا لمشكلات ما بعد الحداثة، والتي تتبدى في شكل الهجوم على كل النصوص الإنسانية والمقدسة، بحيث يتحول القرآن (على سبيل المثال) إلى نص تاريخي أو تاريخاني كما يقولون، أي يمكن تفسيره بقضه وقضيضه بالعودة للظروف والمواضعات الزمنية، وأعتقد أن الأستاذ طارق البشري أسهم إسهامًا هامًّا في هذا المجال، فمن خلال دراساته حول استعادة الثبات للنص المقدس بيّن أن أوجه الاختلاف بين الفقهاء في كثير من الأحيان لا ينبع من تفسيرهم للنص، وإنما من فهمهم للواقعة الإنسانية التي يريدون إصدار الفتوى بخصوصها، هذه مسألة هامّة لأنه في إطار ما بعد الحداثة ثمة هجوم على أي ثبات وأية معيارية وثمة إنكار لأية ركيزة نهائية.

16 تجاوز الإطلاقات المتناقضة والسماح بالفراغات والتعددية:-

أعتقد أن ثمة محاولة لاكتشاف مقولات تحليلية وسطية تميز الخطاب الإسلامي عن الخطاب الحداثي الغربي، الذي يتسم بالتأرجح الشديد بين قبضتين متنافرتين؛ فالخطاب الحداثي الغربي يطلب من المرء إما اليقين الكامل أو الشك الكامل، إما أن يكون هناك عقل مطلق أو اللاعقل على الإطلاق، إما أن يهيمن العقل تمامًا أو يفكك العقل، إما أن تكون العقلانية المادية أو اللاعقلانية المادية، بينما يحتوي الخطاب الإسلامي الجديدحسبما سمعنا من الأستاذ فهمي هويدي والأستاذ طارق البشري- على إمكانية وجود فراغات أو إمكانية التعددية، وإمكانية ألا يكون اليقين مطلقا وألا يكون الشك نهائيا، فهناك ما بينهما؛ إذ ليس مطلوبًا من المرء أن يأتي ببراهين قاطعة مائة بالمائة وأن ترتبط حلقات السببية بشكل كامل شامل صارم (وهو ما أسميه "السببية الصلبة" في الحداثة الغربية)؛ إذ يكفي أن يأتي الإنسان بقدر معقول من البراهين والأسباب والقرائن، وأن يربط الأسباب بالنتائج بشكل كافٍ وليس بالضرورة صارمًا، (وهذا ما أسميه "السببية الفضفاضة")، وكلمة الفضفاضة يصعب ترجمتها؛ إذ أن المفردة التي تقابلها في الإنجليزية هي Loose والتي تعني "منحلة" أو "متفككة" أو كلمة Wide بمعنى "عريض" أو فسيح، بينما "فضفاضة" في العربية تحمل معنى السماحة وعدم الترابط الذي يسمح بالحرية دون أن يسقط بالضرورة في التفكك. والسببية الفضفاضة –في تصوري- هي جوهر الرؤية المعرفية الإسلامية التي تبين أن "ألف" لن تؤدي إلى "باء" حتماً ومائة بالمائة ودائما، ولكنها ستؤدي إلى … بإذن الله، "بإذن الله" هي المسافة التي تفصل بين الخالق والمخلوق، ولكنها هي التي تخلق مجالاً يمارس فيه الإنسان حريته، ومن ثم يصبح كائنًا مسئولاً حاملاً للأمانة، إنها تأكيد لما يسمى في الفقه الإسلامي "البينية".

17 القدرة على الرؤية المتكاملة للشريعة وإنزالها على الواقع المعاصر

أشار الأستاذ بشير نافع إلى شيء هام جدًا حين قال: إن الخطاب الإسلامي في المجتمعات الإسلامية التقليدية هو الشريعة. فالشريعة لا تزال هي الخطاب الإسلامي القديم والجديد، ولكن الخطاب الجديد يحاول أن يحل مشكلة ما أسميه "ثنائية المصطلح"، فالشريعة كما نعرف منفتحة قادرة على توليد إجابات على الأسئلة الكلية والنهائية التي يطرحها الواقع على الإنسان المسلم عبر تاريخه، ولكن مصطلحات الشريعة (بسبب ظروف الانقطاع التاريخي والحضاري الذي سببه الغزو الاستعماري) أصبحت مغلقة بالنسبة للكثيرين، وما يحاوله الخطاب الإسلامي الجديد هو فك شفرة هذا المصطلح، بحيث يمكن استخلاص الحكمة الكامنة فيه وإنزالها إلى الواقع المعاصر، كما يفعل الدكتور سيف حين يتحدث عن أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هو المصطلح الإسلامي للتعبير عن مشكلة المشاركة في السلطة، هذا لا يعني أن ثمة ترادفًا بين المفهوم الغربي والمفهوم الإسلامي للقضية، كل ما يرمي إلى توضيحه الدكتور سيف أن هذه القضية الحديثة التي يعبر عنها بطريقة حديثة هي ذاتها القضية التي توجهت لها المنظومة الإسلامية من خلال مصطلحها الخاص، ومثل هذا الاجتهاد سيساعدنا على زيادة المقدرة التوليدية للمنظومة الفقهية، كما سيساعد المسلمين على ترسيخ أقدامهم على أرضيتهم العقائدية.

18 القدرة على صياغة نموذج معرفي إسلامي والاحتكام إليه:

- نظراً لعزل الشريعة عن واقعنا السياسي والاجتماعي أصبحنا نراها كما لو كانت مجموعة من الأحكام والآراء غير المترابطة، ولكن عملية توليد الإجابات تتطلب إدراكًا لترابط أجزاء الشريعة وتكاملها وأنها تعبر عن رؤية للكون، وهذا ما يحاول أن ينجزه الخطاب الجديد، ولا شك في أن مبحث المقاصد التقليدي يتعامل مع هذه القضية، فمن خلاله تمكن التفرقة بين الكلي والجزئي، والنهائي والمؤقت، والجوهري والعرضي، والثابت والمتغير، والمطلق والنسبي، وهذا ما نحتاج إلى تطويره وتعميمه لنصل إلى نموذج معرفي إسلامي نابع من القرآن والسنة، هذا النموذج يأخذ شكل هرم على قمته شهادة أن لا إله إلا الله، تليها القيم القطب مثل العدالة والمساواة، ثم تأتي بعد ذلك الأحكام الجزئية المختلفة، ومن ثم يمكن توسيع نطاق الاجتهاد دون خوف كبير من الزلل؛ إذ أن الاجتهاد سيتم في إطار النموذج المعرفي الهرمي الذي تم استخلاصه (عبر الاجتهادات المستمرة) من القرآن والسنة، وهذا النموذج سيكون هو وحده المعيار الذي يتم من خلاله إصدار الأحكام

19 الاهتمام بالأمة بديلاً عن الدولة المركزية:

من السمات الأساسية التي تسم الخطاب الإسلامي الجديد إدراكه لقضية السلطة وآلياتها المتعددة المتداخلة وعلاقة الواقع المحلي بالعلاقات الدولية، كما يدرك الخطاب الجديد مدى تركيبية الدولة الحديثة، وتغولها، ومقدرتها على الهيمنة والتغلغل حتى في حياة الإنسان الخاصة، والخطاب الجديد يدرك –أيضًا- أن الدولة المركزية الضخمة هي أخطبوط له منطقه الكمي الخاص الذي يتجاوز إرادة القائمين على الدولة، إسلاميين كانوا أم ماركسيين أم ليبراليين؛ فدور البيروقراطية في صنع القرار وتوجيه الحكم حسب أهوائها وأغراضها مسألة أصبحت واضحة تمامًا، كما يدرك الخطاب الجديد أن الدولة لها أجهزتها الأمنية المختلفة (الإعلام- التعليم) التي تحكم قبضتها على الجماهير من خلال: التسلية والإغراق بالمعلومات المتناثرة، والأغاني التي لا تنتهي، وإعادة كتابة التاريخ، ولذا أصبح الاستيلاء على الدولة ليس هو الحل الناجح لمشاكل المسلمين (كما كان يتصور حملة الخطاب القديم)، بل تصبح القضية هي ضرورة محاصرة الدولة وتقليم أظافرها حتى يعود الاستخلاف للأمة، ومن هنا نجد الاهتمام بفكرة الأمة بدلاً من فكرة الدولة، ومن هنا كان النقد المتزايد لفكرة الدولة المركزية والاهتمام بالمجتمع الأهلي ودور الأوقاف.

20 محاولة تطوير رؤية شاملة للفنون الإسلامية:

الخطاب الإسلامي الجديد -نظرًا لشموله واهتمامه بالجانب الحضاري وبرؤيته للكون- يولي اهتمامًا كبيرًا للعنصر الجمالي والفني فلا يكتفي بمقولتي "حلال وحرام"، وإنما يحاول أن يطور رؤية شاملة للفنون الإسلامية تستند إلى الرؤية الإسلامية للكون، ومن هنا ظهرت المحاولات النظرية والتطبيقية الجديدة في مجال المعمار ومختلف الفنون، وهذا الجانب في الخطاب الإسلامي الجديد هو تعبير عن الانفتاح النقدي الأخلاقي، فكثير من الفنانين الإسلاميين أو المهتمين بالفن الإسلامي في العصر الحديث تعلموا في الغرب أو في الشرق على أسس غربية، ومع هذا فإنهم ينسلخون عن المنظومة الغربية، ويوجهون لها النقد، ويستفيدون من المعرفة التي اكتسبوها في محاولة توليد رؤى فنية، تترجم إلى مبانٍ على طراز إسلامي تستجيب لمتطلبات العصر الحديث، ويلاحظ أن هؤلاء الفنانين يدرسون التراث الفني الإسلامي من زوايا جديدة ويعيدون اكتشافه واكتشاف أسسه النظرية، مستفيدين من آليات التحليل التي تعلموها في الغرب، كما أنهم بدأوا يهتمون بالكتابات الإسلامية التراثية في هذا المضمار.

21 تجاوز المنظور الغربي في قراءة التاريخ:-

من أهم جوانب الخطاب الإسلامي الجديد قراءة التاريخ؛ فثمة رفض لفكرة التقدم الخطي اللانهائي ورفض للمفاهيم الخطية الواحدة (Unilinear) التي تفترض وجود نقطة نهائية واحدة، وهدف واحد يتحرك نحوه التاريخ البشري بأسره، الأمر الذي يفترض ضرورة رؤية تواريخ البشر من خلال منظار عالمي كما يُدَّعى، وإنما هو منظار الحضارة الغربية والمعيار هو معيارها. وأعتقد أن الدكتور بشير نافع أعطانا نموذجًا تطبيقيًّا لذلك الرفض بأن قدم قراءة التاريخ الإسلامي من الداخل دون استيراد مقولات تحليلية من خارج النسق، وعملية القراءة هنا هي عملية متعاطفة تفسيرية، ولكنها –أيضا- عملية نقدية، لقد قرأ الدكتور بشير وثائق لم يقرأها المؤرخون الغربيون، أو قرأوها وقاموا لعدم أهميتها في نظرهم، ولذا فقد نجح في تقديم رؤية جديدة، ومن ذلك اكتشف دور التصوف والطرق الصوفية الذي يهمله المؤرخون الذين تم تدريبهم داخل المنظومة العلمانية، فهم ينظرون إلى التصوف باعتباره مجرد خزعبلات، بينما يرى الدكتور بشير نافع أن دراسة التصوف والطرق الصوفية مدخل أساسي لفهم التاريخ الإسلامي، وقد بين الأستاذ طارق البشري في بعض دراساته أهمية الطرق الصوفية في فهم تاريخ مصر الحديثة.

حملة الخطاب الإسلامي الجديد ودعاته

ويمكن القول بأن هناك العشرات من حملة الخطاب الإسلامي الجديد والدعاة له من الممكن ذكر أسماء بعضهم:

 الأستاذ مالك بن نبي، والأستاذ فهمي هويدي، والشيخ راشد الغنوشي، والأستاذ منير شفيق، والأستاذ عادل حسين، والأستاذ طارق البشري، والمهندس المعماري الدكتور عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم، والدكتور راسم بدران، والدكتور سليم العوا، والدكتور بشير نافع، وجماعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي (الدكتور راجي الفاروقي، ود. طه جابر العلواني، ود. عبد الحميد سليمان من مؤسسي المعهد، ويمكن أن نذكر –أيضًا- د. منى أبو الفضل، ود. سيف الدين عبد الفتاح، ود. نصر عارف، ود. أسامة القفاش، والأستاذة هبة رؤوف، ود. البيومي غانم، والأستاذ فؤاد السعيد، والأستاذ هشام جعفر، ود. أحمد عبد الله، ود. لؤي الصافي)، والدكتور جمال عطية، ومجلة المسلم المعاصر، وعزام التميمي، وجماعة ليبرتي، والحبيب المكنى، ومجلة الإنسان. ولا شك في أن هناك العشرات الآخرين داخل وخارج العالم العربي يساهمون في تشكيل الخطاب الجديد، ويلاحظ أن كثيرًا من المثقفين من أعضاء الأقليات الإسلامية في الغرب بدأوا يساهمون بشكل فعال في إثراء هذا الخطاب الجديد، وهم لا يكتبون بالعربية ولكن إسهاماتهم مبدعة لأقصى حد، ويمكن أن نذكر في هذا المضمار المفكر الباكستاني (المقيم في السويد) بارفيز مانزور ومؤسسة Islamic- Foundation. ولعل المطلوب الآن أن نعمق إدراكنا للأطروحات الأساسية لهذا الخطاب الجديد، وأن نقوم بعملية تكثيف معرفي من خلال حصر أسماء الدعاة له وعناوين ما كتبوا من دراسات.

Tags : elmessiri islam

Catégorie : Non spécifié

 حاجة طالب العلم الشرعي للعلوم الاجتماعية

5/9/2009

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مـجــمــع الـفـقــه الإســلامي

منتدى الفكر الإسلامي

 

 

 

 

 

 

حاجة طالب العلم الشرعي للعلوم الاجتماعية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدكتـــور أبـــو بكر باقـــادر

أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين.

       وبعد؛ لا أملك إلا أن أشكر فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، وأقول: إن ما في النفوس من جمال يُسقط على غيرها، وما في النفوس من كرمٍ يُسقط على غيرها، وما ذكـره من محـاسن وأنا أعـلم أنني قاصر عنها إنما هو ما فيه يُسقطه عليّ فجزاه الله خيراً.

       أما ما سأتناوله هذا المساء، فهو الحديث حول علم الاجتماع، وعلم الاجتماع من العلوم الحديثة التي لها تأثير كبير في العالم الغربي، ولعلّني لا أبالغ إن قلت بأن واحداً من أهم المفاتيح التي مكّنت للغربيين هي هذه العلوم الاجتماعية التي مكّنتهم من دراسة كثير من قضايا الإنسان في العصر الحديث حتى تمكّنوا - استكمالاً لكلام الشيخ صالح الحصيَّن في مسألة العلاقات الدولية - من معرفة خصومهم ومجتمعهم فأصلحوا وسيطروا.

       والكلام الذي سأتحدثه هذا المساء سيكون بشكل خاص عن علم الاجتماع لأنه أم العلوم الاجتماعية، أمّا العلوم الاجتماعية فهي عديدة، وحقيقة ربما أكاد أقول: إن كل يوم فيه تطوّر، ولعلّه مع تراكم المعرفة قد تظهر علوم اجتماعية جديدة: منها الاقتصاد، وعلوم السياسة وكثير من فروع الإدارة، كلّها تندرج تحت علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية. وأنا سعيت في هذه المحاضرة أن استخدم بعض مفردات الفقهاء وذلك لتوضيح أوجه القرابة من حيث البنية العلمية ما بين علم الاجتماع والفقه. وأقول: بأنه كان لعلماء المسلمين وخاصة من تناولوا الفقه دراية ورغبة في تفسير التاريخ ولم يرتهنوا فقط رغم أهمية الجانب الأخلاقيّ وإنما سعوْا ليُفسَّروا لماذا النّاس تتصرف بالصورة التي تتصرف بها، وهذا كان بارزاً عند المؤرّخين، وعند من سعوا إلى الحديث عن علوم السياسة والرئاسة وترتيب الدولة، بل إنهم اخترعوا وابتدعوا علماً يُسمّى بمرايا الأمراء، يُخبر الخلفاء والسلاطين والأمراء كيف يديرون شؤون بلادهم، لكن أيضاً سعوْا إلى معرفة السنن العظمى، والسنن الكبيرة فيما يمر على الأمة من تاريخ وذلك لاهتمامهم بذلك. وابن خلدون مثال ممتاز في مقدمته على ما توّصل إليه علماء العالم الإسلامي في عصره. ولقد انتظرت الإنسانية أجيالاً حتى بدأت تظهر في المجتمعات الغربية في بداية ظهور الدولة الحديثة فكرة كيف يمكن فهم ما يجري في المجتمع؟ وابتدأت على شكل حركات اجتماعية ثورية تسعى إلى تغيير الأوضاع القائمة فيما يُعرف بالدول أو الحكومات الشمولية التي كان يقول فيها الأمير: أنا الدولة والدولة أنا. وبالذات برزت هذه الأفكار في منابت هامّة تولّدت عنها تغييرات كبيرة، ولعلّ الأرض الفرنسية على وجه الخصوص شكّلت البوادر الأولى فبدأ هناك تفكير كيف يمكننا أن نفسّر ما يمرّ به الناس في حياتهم اليومية ؟. وكان هؤلاء يُشكَّلون ما يسمّى بالفلاسفة الاجتماعيين أو الأخلاقيين الاجتماعيين عند الاسكتلنديين الذين حاولوا أن يُنظَّروا ويفسّروا التحوّلات التي كانت تمّر بها أوروبا آنذاك، وشكّلوا في كتاباتهم المقدَّمات الأساسية لظهور علم الاجتماع، حتى وإن أتى صك الكلمة على يد بعضهم ولكن فقط عند تباشير هذا العلم وبداياته الأولى. وحقيقة الذي دفع إلى أن تتبلور أفكار هؤلاء إنما كانت الحاجة الماسَّة لوجود تفاسير يمكن أن تُساعد في تغيير المجتمع خاصة وأن المجتمع الغربي آنذاك كان ينتقل وبشكل متسارع من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، مجتمع المدن الكبرى وبدايات الصناعة هذه الحاجات أدَّت إلى بروز رُوَّاد مهمّين أسسوا للفكر الاجتماعي وأسميتهم بالطبقة الأولى على طريقة تسميات علماء الفقه، ومن أبرز هؤلاء - في الطبقة الأولى - كارل ماركس، وإميل دوركايم، وماكس فيبر، ولكن يضيف إليهم كثير من المؤرّخين لعلم الاجتماع عدداً كبيراً من العلماء، لكن يبقى هؤلاء الذين في الطبقة الأولى طبقة الروّاد أنهم في واقع الأمر الذين نحتوا وتناولوا في خطاباتهم النظرية التأسيس الذي قام عليه علم الاجتماع الحديث، والذي لا يزال تأثيره إلى يوم النّاس هذا. وأول هؤلاء وعلى وجه الخصوص ماركس وله عدّة وجوه ومن أبرز الوجوه أنه كان يحاول تفسير السؤال الأساسي في العلوم الاجتماعية وبالذات في علم الاجتماع وهذا السؤال هو : لماذا ظهرت الرأسمالية في الغرب مع وجود مسببات لظهورها في ثقافات أخرى ؟ وهو لم يُعالج هذا السؤال إنما الذي عالجه فيبر كما سأوضّح بعد قليل، لكنه سعى للإجابة عن طريق هذا التغيّر.

       العمل الأساسي لماركس كان كيف يُفسَّر التحوّلات النفعية الماديّة الدّاروينية التي تدافع فيها أبناء المجتمع الحديث في ظل ما يسمّيه بأسلوب الإنتاج، - وهذه المصطلحات في غاية الدّقة.- وأوضح أن الحافز الرئيسي هو يتعلّق من حيث التحليل بثلاثة أفكار أساسية:

       الفكرة الأولى ما يسمّيها القيمة وفائض القيمة، وهي: أنه ما الذي يدفع صاحب المصنع وصاحب المال إلى الاهتمام بمحاولة زيادة مكاسبه على حساب غيره، وأن هذا أدّى إلى تغيير أسلوب الإنتاج من ناحية والذي بالتالي يؤدي إلى تحويل شبكة العلاقات الموجودة في المجتمع.

       أمّا المسألة الثانية التي أهتم بها ماركس هي: كيف يمكن تفسير النقاط الأساسية في التحوّلات التي تمر بها المجتمعات الإنسانية، وكان يرى حسب ما كان يجري في عصره أن هـناك قانوناً عاماً ويسمّى الحتمية، يعني القانون الذي لا يمكن للمجتمعات أن تخرج عليه، وهو أن المجتمعات البشرية تمرّ بمراحل تلعب مسألة الإنتاج وعلاقات الإنتاج دوراً كبيراً فيها.

       أمّا المسألة الثالثة والتي لا يتحدّث عنها كثير من الماركسيين وهي ماذا سيكون نصيب الإنسان فيها وكان يقول: إن أساليب الإنتاج الرأسمالية ستجعل الإنسان يتحوّل من كائن إلى شيء، ومن ثمّ سيكون أحد أهم مظاهر الحياة التي ستكون مميزة لإنسان المجتمعات الصناعية هو الاغتراب والتشيُّع. مصطلحات مهمّة ذكرها، وتعتبر أطروحات ماركس وصفاً علمياً دقيقاً لما جرى من تحوّلات في المجتمعات الغربية. بطبيعة الحال ليس هذا هو الوجه الوحيد لماركس، فله وجوه أخرى، وهذه الوجوه أُخِذَ بها وكانت جميع تنبؤاته بها خطأ وحتّى حينما قامت دولة على فكره آلت إلى الفشل، لكن أفكاره على لا تزال تملك حيوية ولا تزال تُشكّل موضوع بحث ودراسة بالذات في تفكيره كيف سيتحوَّل الإنسان إلى إنسان قلق،ويكون للسلعة صنمية وتصبح الإله الذي يلهث الإنسان من أجلها بعد أن تحوّل من ذاته إلى شيء، وهذا نظر نعرف اليوم معناه وقدره. وأيضاً قدرته على التحليل والربط ما بين أساليب الإنتاج وكيف حصلت خاصة في أفكاره عن التراكم والتحوّل من المصانع البسيطة إلى حياة المجتمعات الصناعية وتولُّد هذه القوى والسُّلط في داخل المجتمعات.

       نفس السؤال كان أيضاً محورياً بالنسبة لعالم يعتبر المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع إسمه إميل دوركايم. طبعاً ماركس من أسرة يهودية تنصّرت، ودوركايم من أسرة يهودية حاخامية، ولهذا كان تأكيده وتركيزه على الأخلاق. دور كايم كان مع مجموعة من الدارسين يتحسّرون وفي نفس الوقت يأملون، يتحسّرون على تفتت المجتمع التقليدي بقيمه وبحميميته وبشبكات العلاقات الموجودة فيه، ولكنّهم يأملون في أن يكون المجتمع الصناعي بما ولّد من ثروات ومكّن من أساليب أن يفتَح للإنسان عصراً جديداً، ودوركايم قد التقط هذه الفكرة بشكل أساسي من باحث ألماني اسمه فيردنارد تونيس الذي تحدَّث عما نعرفه في العلوم الاجتماعية بالتحوّل من المجتمعات البسيطة ذات اللّحمة المتداخلة إلى المجتمعات التي تقوم فيها العلاقات على أساس التكامل وليس التماثل، المجتمعات التقليدية يتماثل الناس فيها، فكلّهم لا يحتاج بعضهم إلى بعض لأنّهم كلّهم يفعلون نفس الأشياء لأن الحياة كانت بسيطة لكن بسبب تقسيم العمل، ولهذا دوركايم وأمثاله عندما فكّروا في أن عملية التحوّل ليس لها علاقة بتاريخ المجتمع ولا بتقاليده، وإنّما بأنواع التحوّلات الهيكلية التي تقع فيه. - وأستطيع أن أقول: لطالب العلم اليوم إن كثيراً من الأفكار التي تصدق على المدينة الصغيرة، أو على القرية لا يمكنها أن تصدق على المدينة المليونية، وهذا ما تنبأ به أصحاب تقسيم العمل والذين تحدَّثوا بان المجتمع التقليدي يتميّز بما يسمّى بالعصبية الآلية، يعني الناس تشبه بعضها البعض، وهذا يُعزّز إكرامهم لبعضهم على أساس الحميمية، أو على أساس الود، وفصّل دوركايم هذا في كتاب كبير،- لكن يتحوّل الإنسان في المجتمع الحديث إلى ما يسمّى بالعصبية العضوية حيث الكل يحتاج رغم الغفلية إلى الكل يعني رغم أنّك لا تعرفه، أحياناً بعضنا يتعامل مع بائع ما وربما لأربعين سنة، وهو لا يعرف اسمه، والسبب أنك تحتاج إلى تقسيم عمل وتخصص، والناس تُكّمل بعضها بعضاً، لا أحد يستطيع أن يُفكّر في العصر الحديث وبالذات في المدن الكبيرة أنه يستغني عن غيره، هذا ولّد في نظر دوركايم قِيَما وتصورات ورؤى، ولعلّ من أبرزها أنّ لا تجانس في المجتمع ثقافياً، عقدياً، فكرياً، يحتاج إلى قواعد أخرى مختلفة. وكان المفكَّر في وجود أخلاق جامعة للمجتمعات الصناعية الحديثة.

       أيضاً إميل دوركايم لأنه هو الذي أسس لعلم الاجتماع أكاديمياً كان يُفكّر كيف تدرس الظواهر الاجتماعية، والظواهر الاجتماعية لها سمة مثل سمة الظواهر الطبيعية، لها وجود في حدّ ذاتها، ولها كيان في ذاتها Socio genares، وسعى في كتابه (قواعد المنهج) أن يشتق القواعد الأساسية التي يمكن أن تساعد المشتغل بالعلوم الاجتماعية، بأن يدرس تلك الظواهر بوصفها ظواهر، وأنّه يتقدّم تطوير هذا العلم حتى يصبح مثل العلوم الطبيعية قادراً على التركيز على مجموعة من المتغيَّرات أو مجموعة من الرّكائز الأساسية التي في ضوء تناولها يمكن تفسيرها عن طريق معادلات رياضية أو معادلات جبرية أو حتى قواعد عامّة، ولقد سعى إلى ذلك أيضاً، ولأنه حاول أن يكون المؤسّـس الأكاديمي، سعى أن يفصل علم الاجتماع عن غيره من العلوم، وبالذات علم النفس، لأن كثيراً من الذين جادلوه كانوا يقولون المجتمع ما هو إلا عبارة عن مجموعة من الأفراد، ولهذا إذا درسنا الفرد وفهمناه فإننا بذلك لا نحتاج إلى علم اجتماع، فدرس ظاهرة شخصية جداً ليثبت أن الطريقة التي تُدرس بها المجتمعات إزاء تلك الظواهر الفردية تختلف عن دراسة المشاكل الفردية، وكتابه المشهور (الانتحار) درس فيه كيف يمكن تفسير ظاهرة الانتحار من مستوى اجتماعي.

       ولدوركايم محمدة أخرى وهي: أنه درس فكرة كانت تروج في الأوساط العلمية الغربية عن غيرها ألا وهي نُكرانها للدين وإذا قُبِل فإن دين الشعب أو الأمة المنتصرة - العرق المنتصر الغربي - هو الدين الكامل، وأما غيره فإنه يُرفع إلى ما يسمّى بالعقل الخرافي أو العقل البدائي، ولقد ردّ ردّاً بليغاً طويلاً موضّحاً أن هذه الفكرة ليست صحيحة، وأن الدّين هو الرّحم الذي خرج منه العلم وخرجت منه الفلسفة. وأوضح أنّنا إذا درسنا الأشكال الدينية الأولية رغم نقص المعلومات يتضح أن للمجتمع ضميراً - وليس كما يُقال في الترجمة العربية عقلاً - يُوجّهه، وهذا الضمير قادر على التكيُّف والتأقلم مع ما يجدُّ من أحداث، وهذا الضمير هو الذي يقوم على الرموز الجامعية الموجّهة نحو المقدّس، بل إنّه هو أوّل من أبرز فكرة التناظر بين المقدّس، والمدنّس، أو الدنيوي. إميل دوركايم كان يميل إلى وجـود لحـمة بين أفراد المجتمع، كان أكثر المتحدّثين عن ما يسمّى بـ Ener grasuim، يعني كيف يتحد المجتمع؟ وحتى المدرسة التي خرجت من رحم فكره كانت تتجه كيف يحدث توازناً في المجتمع ؟.

       أمّا الرائد الثالث من طبقة الروّاد فهو ماكس فيبر، وهو أعجوبة أعاجيب علم الاجتماع حيث إنّه أكثرهم إنتاجاً وأكثرهم تصوّراً وأكثرهم راهنية، وهو الذي يؤثر في معظم ما يجري في الأيام خطأً أو صواباً. ولد من أسرة بروتستانتينية من أم متديّنة قلقة، وكان شغوفاً بالمعرفة، وكان يتبوأ كرسي الدراسات القانونية فتأهيله قانوني ومُؤرَّخ للقانون في هايدن بيرج أكثر جامعات ألمانيا. وهو الذي طرح أهم سؤال في العلوم الاجتماعية، وهو في واقع الأمر سؤالان:

       السؤال الأول هو: هل الدين يُضعف الإمبراطوريات؟ وهذا ردٌ على دراسة جبسون التي تُوضّح بأن الإمبراطورية الرومانية كانت في علاها وحينما تمسَّحت - أي تنصَّرت - انهدمت. طبعاً كان في مقابله السؤال، لماذا حدث العكس في الإسلام؟ وهذا سؤال لا يزال يحتاج لمنظَّرين ودارسين.

       أما السؤال الثاني المحوري وهو الذي لا يزال إشكالياً حتّى في الطبقة الخامسة من طبقات علماء الاجتماع هو: لماذا ظهرت الرأسمالية في الغرب، وفي الغرب تحديداً؟ بل إنّ ما أراد فيبر أن يؤكّده أن كارل ماركس كان على خطأ في تحليله لسبب نشأة وظهور الرأسمالية إذ أنه عزاها إلى ما يسمّى بالظروف المادية المشكَّلة للتحوّلات الاجتماعية، وماكس فيبر كان يرى على عكس ذلك أن الذي أدّى إلى ظهور الرأسمالية هي القيم الدينية التي ترعرعت بين المتطهرين المتشددين من البروتستانت، على وجه الخصوص.. وله في ذلك رسالة سال على إثرها أنهار من الحبر رغم أنها في حوالي مائة وخمسين صفحة، وقد ترجمتها إلى العربية. أوضح فيها أنَّه في ألمانيا إذا ما قارنّا بين البروتستانت والكاثوليك فإننا نجد بسبب التوجّهات الدينية فرقاً وبوناً شاسعاً في العملية. وفي الجدّ بين البروتستانت والكاثوليك.

       أنا أتوقف عند فيبر لأنّه هو الذي نظَّر لكافة أنواع البروقراطيات، هو الذي فسَّر ما يسمَّى بالفعل الاجتماعي، هو المفكّر الكبير الذي قام بسياحة في علم الاجتماع الديني :

       وكان يرى أن سبب ظهور الرأسمالية يعود إلى البروتستانت، فقام بدراسة معمّقة لأديان الهند وأديان الصين وأديان اليهود القديمة ولم يتمكن من إنجاز عمله عن المسلمين وكانت دراسته تقصر على الدولة العثمانية، ليوضَّح بأن هناك خللاً داخلياً لهذه الأديان حال دون إمكانية نشوء رأسمالية. طبعاً لا تظنوا أن ماكس فيبر أيضاً كان معجباً بالرأسمالية، هو معجب بالعقلانية ومعجب بما ستنجبه من خيرات للإنسانية ولكن هو أول من نبَّأ إلى ما أسماه بالدخول في القفص الحديدي، بمعنى أن الإنسان سيخلق أنظمة ومؤسسات ومفاهيم هي التي ستكون آسرة له وموجَّهة لحياته إلى تعاسة بدل الحسن. 

       هؤلاء هم الذين شكّلوا طبقات الروّاد الأولى، طبعاً هناك من يقول ممكن أن نضيف إليهم باريتو، ومارشال، ولكن هؤلاء كانوا يشتغلون إمّا في مسائل تراكم الأفكار ، وكيف تُدار السياسة بالذات في دورانها كباريتو وهو شبه ابن حلدون في هذا، أو مارشال الذي تكلّم عن المؤسسات الاقتصادية وقضية التفريق بين القرارات العقلانية وغير العقلانية. بعد هذه الطبقة أتت طبقة ثانية، - طبعاً نحن في علم الاجتماع لا نسميها طبقات ولكن فقط - أثابكم الله - للتواصل معكم جعلناها طبقات - الطبقة الثانية في واقع الأمر بدء وتأسيس الأقسام العلمية لعلم الاجتماع، ولعل قسم شيكاغو الذي كان يشرف عليه روبر بارت كان يُشكَّل الانطلاقة المهمّة في تحويل المدينة رمز العصر الحديث إلى مختبر الدراسات الاجتماعية، وفي هذا بدأت تظهر نظريات تحوُّلات المدن، العلاقات الاجتماعية، مؤسسات المجتمع المدني، الانحراف، التسكّع، الجريمة، الأسرة، وما إلى ذلك. وفي هذه الطبقة بدأت تتأسس عملية انتشار أقسام علم الاجتماع في طول البلاد وعرضها، ونتج في هذا السياق أبرز المخططين للطبقة الثالثة إذ بدأت تنتقل كما انتقل الفقه في تاريخ المؤسسات الفقهية من فقه الأقاليم إلى فقه المؤسسين والشيوخ أو المدارس المذهبية، وأنا أسمَّي هذه بالمذاهب الاجتماعية، أو المدارس الاجتماعية، لأنها منذ بدأت تظهر على السطح لا تعتني بدراسة فرد من الروّاد وإنما محاولة لخلق مدارس فكرية لعل ّ من أبرزها المدرسة الوظيفية، المدرسة الرمزية، المدرسة التفاعلية الرمزية، مدرسة الصراع، وتحت هذه المدارس مدراس عديدة، ثم لاحقاً أصبحت المدرسة الفنامولوجية ومدراس أخرى، والتحم مع هذه الطبقة الثالثة التي أسست المذاهب النظرية الاجتماعية. نقد هذه المدارس، ومن ثمّ الحيوية التي جعلت هذه المدارس يتشكّل خلفها ويتحزّب أعداد كبيرة من علماء الاجتماع، ولعلّ من أبرز الأشياء في المدارس أن لها افتراضاتها ومفاهيمها.

طبعاً وصلت كثير من هذه المذاهب إلى مرحلة النضج بل كما يقول أساتذة العلوم الإسلامية طُبخت حتى احترقت، ومن رحمها بدأت تنتج طبقة الدراسات الجديدة التي تؤكّد على أن المدارس بسبب أيديولوجياتها ومفاهيمها وبسبب توجّهاتها أصبحت لا تجيب إلاّ على أنواع معيّنة من الأسئلة بل واصطدمت مع إمكانية أن تُفسِّر ما يقع خارج حدود الحضارة الغربية، وابتدأت الأسئلة تتكاثر حول قضايا تتعلق بالتعددية الثقافية وبالذات فيما يُعرف بما بعد الحداثة، الخطاب ما بعد الكولينالي والدراسات التي تتكلم عن التعّددية بشكل عام، وأيضاً مرتبط بهذا الحركات الاجتماعية المُطالبة بالحقوق بالذات مثلاً: الجماعات المهمّشة أو الهجينة أو غير الممكَّن لها مثل المعاقين والنساء وأصحاب الأفكار التي لا تكون مناسبة في المجتمعات الصناعية أو في المجتمعات بشكل عام، بدأت تظهر في هذه الطائفة.

ثم أتت مرحلة ما نُسمّيها بالطبقة الأخيرة الرّاهنة وهي التي تُؤكّد على مسألة صراع الحضارات والعولمة وقضايا العالم الرَّاهن، ولا يأخذكم فقط الخيال إلى فوكوياما وهنتغتون ذلك أن هناك كتّاباً هم الذين يقومون بالدراسات الميدانية وهذا مهم في ميزان الأفكار والمفاهيم وارضنتها من سماء النظرية إلى واقع التطبيقات. وفي هذا الخصوص أودّ أن أشير إلى عالم اشتهر لدينا بأنّه من مدرسة الافنولوجيا - بيتر بيرغر - الذي أصدر دراسة تُوضح أن العولمة عند التطبيق تصبح عولمات كثيرة ذلك أن تفاعل المجتمعات مع هذه الظواهر العالمية متعدّد ومختلف، لكن أيضاً بدأت العلوم الاجتماعية تنتقل من الوحدات الاجتماعية الصغيرة إلى الوحدات الاجتماعية الكبيرة وهي الدول، ولهذا أصبحت مسألة العلاقات الدولية تُشكِّل مدخلاً هاماً جداً في الدراسات الاجتماعية. هذا ما يتعلق بالطبقات.

ذكرت لكم أن علم الاجتماع علم يُعدّ من أمّها العلوم في الحضارة الغربية الحديثة، ودعوني أقول: إن هذا العلم أيضاً يتمثل كما يتمثّل الفقه، مع اختلاف النوع، لأن له علم أصول وعلم فروع. أما علم الأصول فهو يتمثّل فيما يُسمَّى بالنظرية الاجتماعية، وهذه تنقسم - باختصار للوقت - إلى ما يُسمّى بفلسفة العلوم الاجتماعية وهي مُثار جدل وتفكير بين المشتغلين في العلوم الاجتماعية بشكل كبير وبين التنظير الاجتماعي، وكان التنظير الاجتماعي محصوراً في المذاهب النظرية لكن اليوم تعدَّاها وخرج، وبطبيعة الحال هو بين مدٍّ وجذر، ذلك بسبب الافتراضات التي ينطلق منها إذ كانت الافتراضات الأساسية بسيطة تقوم على المحسوس والمجرّب، مدنياً لكن اليوم اتسعت المسألة، ومن أبرز مدارسها ما يتعلّق بالتأويل وفلسفة التأويل في العلوم الاجتماعية، بل حتّى المدرسة الوضعية هي أخذت أنواعاً أخرى جديدة من الوضعية الجديدة.

أيضاً من علوم الأصول في العلوم الاجتماعية ما يسمّى بمناهج البحث والوصول إلى مظان الإشكالات وتفسيرها، وهذا ينقسم إلى قسمين: مناهج كمية وهذه تتداخل كثيراً مع النظرية لكن لها وسائلها التي من خلالها تَرْقُب وتدرس الواقع الاجتماعي، وأيضاً لها أساليب البحث العلمي (الكميّة)، وهذه قد طوِّرت فيها وسائل كثيرة وعلى وجه الخصوص فكرة الرؤية وهي موضوع في فلسفة العلوم بشكل عام ذلك أن الناس لا ترى ما ترى إلا ملوّنين بما تعلّموه، كمن ينظر إلى السماء إن كان فلكياً رأي شيئا وإن لم يكن فلكياً فإنّه يرى نوراً وكُرات معلّقة في الهواء.

إذن لا بدّ من التدريب ولهذا يُدرّب المشتغل في العلوم الاجتماعية سواء في العلوم الاجتماعية الكميّة أو الكيفية على وسائل عديدة لعلّ من أكثرها انتشاراً الوسائل الإحصائية التي تستخدم الوسائل الرياضية في محاولة للوصف والحصول على النتائج من كمٍّ كبير من المعلومات وتُستَخْدَمُ في ذلك برامج رياضية كثيرة تدرس ما يجري في مجتمع، وما يجري في مجتمع أغلبه ملفوظ وبعضه سلوك بحيث يمكنهم أن يقاربوا العلوم الطبيعية، وما وسائل التنبؤ بالرأي العام إلاّ من تلك النتائج. معظم التسويق قام على أساس المسوح الاجتماعية أي ما الذي يُريده الناس وما الذي يتذوقونه نفعله.

أما علم الفروع فنقصد به المباحث المختلفة التي يشتغل بها علماء الاجتماع وهي كثيرة وعديدة تبدأ من علم الاجتماع الحضري، والاجتماع الصناعي، واليدوي، وعلم اجتماع اللغة، وعلم اجتماع المعرفة، وأنواع من الخدمات الاجتماعية، وهذه متعدّدة بل يبالغ أحياناً المشتغلون في علم الاجتماع بحيث يُركِّزون على قضية أو مبحث فيجعلونه محور الدراسة، فعندنا علم اجتماع السيّارة، أو علم اجتماع التلفزيون، بمعني أن هذه الظاهرة تُدرس من جوانب مختلفة ولكن بالأسلوب الذي اختصّ به علماء الاجتماع. ومن أبرز دراساتهم التي أثّرت في الحياة الحديثة الدراسات التي تتعلق بعلم اجتماع التنمية، وكان لهم للأسف أخطاء كبيرة في السبعينات والثمانينات وخاصة فيما يسمّى بعمليات التحديث التي تأذّت منها الأمم وتأثرت كثيراً بنياتها الاجتماعية والقيمية والأخلاقية.

أيضاً من علوم الفروع عندهم علم اجتماع الجريمة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بمسألة الانحراف، وهنا سأنبِّه إلى مسألة غاية في الحساسية وهي مطروحة في العلوم الاجتماعية بشكل واضح وبارز. النّاس يتكلمون عن علم الاجتماع بوصفه علماً لا يُقرّ واقعاً وإنما يُحلّل ويدرس ذلك الواقع فيركّزون على أن هذا ما يسمى بعلم الاجتماع، أما socioljism بمعنى أن ما يقع من الناس ويعيشونه يصبح هو المثال فهو خارج دائرة علم الاجتماع ويسمى المتحدّثون فيه بفلاسفة المجتمع.

بطبيعة الحال يّفرَّق علماء الاجتماع من حيث علم الأصول الآن يعني نظرياً بين ما يسمّى بنموذج العلوم الطبيعية، ونموذج العلوم الأخلاقية أو علوم الروح، فيقولون بحسب المدرسة الألمانية إن الخيال الذي كان يوجّه الخيال الأمنية أننا نصل إلى القوانين المنظِّمة للمجتمع والتي نستطيع أن نتنبأ بما سيكون عليه المجتمع، هذا حلم ربما فلسفياً لن يتحقق في الواقع إنما الأقرب إلى المعقول هو ما يسمّى بالنموذج المثالي أو الجاد الموضوعي الذي طوّره الألمان، والذي يدور حول فكرة أن العلوم الاجتماعية غايتها تفسير وفهم ما هو قائم بشكل محايد وموضوعي، وهذا كان من أفكار فيبر التي أخذت أصداء كبيرة في يوم الناس هذا. قد يسأل بعضكم ما علاقة هذا بطالب العلم الشرعي؟ وأودّ أن أجيب على هذا مختصراً مهرولاً في ثلاث إجابات سريعة.

الأولى: أن علماء الاجتماع يزعمون بأنّهم أقدر بسبب ما توفّر لهم من آليات بقصد وفهم وتحليل الواقع. ومن ثمَّ كيف يمكن للفقيه في العصر الحديث أن يرتهن لاجتهاد عالم كان واقعه مختلفاً لفهمه وإنزاله النص الشرعي الذي نؤمن بأنّه صالح لكل زمان ومكان؟.

ومن ثمّ فإنه إن توفّر عالم مُلِمٌ بآليات ومفاهيم العلوم الاجتماعية سيكون أقدر إن توفّر له العلم الشرعي على الأقل تخصصاً أي بمعنى أن يكون مختصاً في علم اجتماع الأسرة مثلا، ويعرف ما ورد من فتاوى وآيات وأحكام فيها لا شك أنّه سيكون أقدر، ولقد مارس هذا أجدادنا فكانوا في مسائل البناء ومسائل العمران يستشيرون من هم أهل هذه الصنعة ولكنّهم على دراية بالعلوم الشرعية.

أما المسألة الثانية: فهي أن العلوم الاجتماعية بما لها من آليات أصبحت قادرة كثيراً على دراسة ما يجري بين أوساط العلماء، أو الدّارسين للعلوم الشرعية، وذلك لأسباب كثيرة. جزء منها لأنّها تُشكّل شرائح اجتماعية.

فمثلاً الفقيه نفسه أصبح موضوعاً للدراسات الاجتماعية، وإن لم تتوفر مادة مباشرة تتوفر كُتب تراجم وسأبدأ بكتب التراجم. في تونس (جرين) درس علماء تونس قبيل الاستعمار الفرنسي وأوضح كيف أن المفاهيم والآليات والأدوات التي يبرع فيها المختصون في العلوم الاجتماعية تمكِّن من دراسة تشكُّل الفقهاء، وكيف يمكننا أن نُفسِّر تأثيرهم، بل اختص للأسف الشديد علماء من إسرائيل يدرسون تأثير علماء الشريعة والفقهاء في حركات الاستقلال وفتاواهِم وآراءهم من خلال كُتب التراجم. أما في العصر الحديث فالأمر تطوّر عن ذلك كثيراً إذ أصبح الدّارس الاجتماعي يقضي أو يفني سنوات حياته ليدرس شيخاً بعينه، ولدينا دراسات انثروبولوجية وأضرب مثالاً – ريتشارد
انطون - في كفر الماء في الأردن، - ولقد زرت المكان، وزرت المسجد الذي كان يدرس فيه، - تمكّن من دراسة خطيب جامع وكيف أن حياة الشيخ وخلفيته وخطبه وصلتها بالواقع تُشكِّل منبراً اجتماعياً سياسياً بقدر ما تُشكل أمراً تعبدياً، وتبعه أحد تلاميذه ليدرس أربعة أنواع أو أربعة أطياف من مشائخ خُطباء الجمعة في مدينة طنطا ويصنّفهم بالشيخ الصوفي، والشيخ الثوري، أو الشعبي، وكل ما يعيشه الشيخ فهو موضع دراسة بل إن أحدهم بقي في مدينة - أزمور - في المغرب ليدرس فقيهاً بربرياً، وكيف يتشكّل القاضي، الشيخ، خطيب الجمعة، وعلاقة الناس به. وتوضّح لنا أمثال هذه الدراسات الميدانية كيف بإمكانهم أن يفهموا ما يجري في العالم الإسلامي، حتى تخطّى الأمر إلى أن تقع دراسات عن المجتمع العربي السعودي، وهناك دراسة مشهورة فيما يسمَّى باقتصاديات الرّمز قام بها بروفيسور بجامعة جورج تاون عن خطابات الحركة الإسلامية التي كان يقول بها المسعري، وسفر الحوالي، وجميع المشائخ الموجودين، وتُحلّل على أساس أنها تُمثِّل فكراً سياسياً اجتماعياً اقتصادياً يُوجِّه ويُحرّك ويتأثر ويُؤثر في المجتمع.

إذن هذا محمل واحد يوضّح كيف أن العلوم الاجتماعية والإطلاع عليها للطالب الشرعي تُنبئه وتفيده ليعرف ما يجري حوله، وأنكي ما يمكن أن يحدث للأمة أن يعرف الناس عنها أو يُسطّرون عنها وهي عن ذلك جاهلة.

الأمر الثاني: هو في واقع الأمر ظهور دراسات جديدة في غاية الأهمية، وهي التي تتعلّق بدراسة المؤسسات الدينية الرئيسية، وعلى وجه الخصوص مثلاً من الذي يُعرِّف الدين للمجتمع؟ ولعلّ من أهمها المجامع الفقهية ودُور الإفتاء فهي تُشكِّل مؤسسات مهمّة لتعريف الدين للدولة الحديثة، ولقد اطلعت على مجموعة من الدراسات التي تعتمد النهج العلمي الاجتماعي التي درست مثلاً كيف باختلاف الفترة السياسية والنظام السياسي كان يُعرّف الإسلام في مصر من خلال دراسة من تعاقبوا على الإفتاء. أيضاً من الدراسات الاجتماعية الهامّة التي تناولت ما يقع في مؤسسات بالتنظير لها من خلال المراقبة والمشاهدة، أو دراسة ما نتج عنها درس أحدهم في اليمن ما نُسمِّيه بـ (مملكة الخط) لأن معظم دور القضاء تكتب صكوكاً، ليوضِّح بأن هذه العملية لها جوانب تتعلق بالثقافة وبطرائق النّاس رغم أنها تتحدّث عن المقدّس المُوحَى به، ومن ثمّ التعمّق فيها ودراستها على الأقل لهؤلاء الدّارسين يُجلي أبعاداً، وأحدهم ذهب إلى محاكم سلا والرّواط ودرس ما أسماه بـ (انثروبولوجيا...) ليستنتج بأن في آليات القضاء الإسلامي جوانب ثقافية لعلّها هي التي تُبرِّر كيف كان الناس يرضون عن هذه الأحكام ويتفاعلون معها. هذا من جانب. الجانب الآخر وهو جانب مهم أن هناك دراسات عديدة لا يحتمل الوقت لبثها ولكنِّي سآتي على نماذج منها: وهي أن دراسة هذه المؤسسات كما تُعبِّر عنها وثائقها ومن يقومون في الغالب بهذا الرصد لعلّهم يُريدون أن يوضحوا أموراً هذه الأمور تتضح لغير ما أرادوه، فهناك مثلاً باحث اجتماعي مؤرخ اسمه (حاييم)، بناءً على ما ذكره الرّحالة من ملاحظات على المجتمعات الإسلامية بأن هذه المجتمعات فاسدة تكثر فيها الرشوة والمجاملات وخلافه، - ونتحدَّث نحن عن حقبة في القرن السابع عشر والثامن عشر، - فجاء على الوثائق المتوفِّرة - وهذا مما يُحمد للدولة العثمانية أنّها حافظت على هذه الوثائق، - وكان مثار السؤال: كيف كانت نتائج أحكام المحاكم في حيفا؟ وبحسب التنظير أو بحسب المقولات الواصفة تاريخياً كان ينبغي أن تكون كل الأحكام لصالح الأغنياء، ولصالح أصحاب الشأن لكن ما يسطّره هذا اليهودي أنّه وجد خلاف ذلك تماماً فمعظم الأحكام كانت في جانب الأقليات والضعفاء والنساء، وُوجد في دراسة مُطوَّلة أن المحاكم الشرعية في القرن التاسع عشر في عواصم الدولة العثمانية الكبيرة كانت ترتادها أعداد كبيرة من أهل الكتاب من النصارى واليهود، وبطبيعة الحال سالت كميات كبيرة من الحبر للتأكيد هل هذه كانت حقيقة.

وبالنسبة للأوضاع الأخرى التي تدرسها العلوم الاجتماعية عنّا أنهم يدرسون كثيراً نشأة المدن وتطوّرها، ومن أحدث الدراسات التي وقفت عليها من الناحية الاجتماعية مسألة نمو المدن وارتباطها بالأوقاف، وهناك دراسة واسعة عن الأوقاف، وازدهار الفتوى وأثره في توسيع ونمو المدن في دمشق، ودراسة عن أوقاف الحرمين الشريفين في الجزائر، وكيف أن هذه الأوقاف كانت تُصرف على طرائق وأساليب ما نعرفه اليوم من وسائل للمساعدة والعون في شكل تأمينات وضمانات اجتماعية.

إذن هذه العلوم الاجتماعية التي يتعلّم بها أعداؤنا أو من نرى أنهم لا يودّون لنا خيراً كشفت لهم جوانب عديدة أولاً عن مكانتنا وقوّتنا وعن فعالية وفاعلية مؤسساتنا. أسأل أثابكم الله: أَلاَ يحتاج طالب العلم الشرعي أن يتعرّف على هذه الجوانب بدلاً من أن تكون معروفة لكل من حوله وهو بها جاهل؟

وأختم بالدعاء لكم لحسن استماعكم وصبركم على إنسان يتحّدث عن العلوم الاجتماعية في وسط درج على أن يسمع غير ذلك. وشكراً لكم.

Tags : sociology

Catégorie : Non spécifié

 خطابنا الإسلامي في عصر العولمة

5/9/2009

 

قراءة في كتاب

خطابنا الإسلامي في عصر العولمة

 

د:يوسف القرضاوي

 

 

 

 

اعداد:

محمد مصباح

 


مدخل عام

 

يتحدث د.يوسف القرضاوي في  كتابه "خطابنا الإسلامي في عصر العولمة"[1] عن إشكالية تجديد الخطاب الديني  و تتجلى أهمية هذا الكتاب من جهتين,جهة الكاتب,فالدكتور يوسف القرضاوي باعتباره رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين و خريج المدرسة الإخوانية,ومكانته العلمية المتميزة التي يحضى بها,وكذا كتاباته العديدة في الموضوع,هذا من جهة,من جهة أخرى فموضوع الكتاب يتحدث عن إشكالية أساسية في وقتنا الراهن, وهي مدى استطاعة الخطاب الديني أن يساير التحولات التي يعرفها العالم المعاصر,كما انه يأتي في لحظة تتسم بتوتر العلاقات بين الإسلام و الغرب خاصة بعد أحداث 11/9,الأمر الذي يقتضي توضيح كل طرف لتوجهاته و اختياراته.فما المقصود بتجديد الخطاب الديني؟ و ما هي مشروعية تغييره؟ و ما هي خصائصه؟

ملاحظات أولية حول الكتاب

 

 يمكننا تقسيم الكتاب الى ثلاث فصول رئيسية ,في الفصل الأول يتحدث الكاتب عن مفهوم الخطاب الديني مع ذكر مشروعية تجديده انطلاقا من الكتاب و السنة النبوية الشريفة(ص15-28),في الفصل الثاني يتطرق د.يوسف القرضاوي إلى الحديث عن معالم المنهج المطلوب للدعوة للخطاب الديني(ص28-54),أما في الفصل الثالث فإنه يبرز خصائص الخطاب الاسلامي في عصر العولمة(ص54-193)و يختم يتحديد موقفه من هذا الخطاب(ص193-195), و من ملاحظة أولية يظهر لنا الحجم الكبير الذي أخذه الفصل الثالث من الكتاب مقارنة مع الفصول الأخرى,فهو يشكل لوحده 140 صفحة من أصل 200 أي ثلاث أرباع الكتاب.

يشكل مفهوم تجديد الخطاب الديني الركيزة الأساسية لهذا الكتاب ,فلا نجد فصلا أو جزءا إلا و يتحدث عن هذا المفهوم, و الظاهر لي أن الكتاب موجه بالدرجة الأولى لغير المسلمين و كذلك إلى المسلمين الجامدين حسب تعبيره,كأنه يحاول تبرئة الإسلام من الاتهامات الموجهة إليه,و أن تجديد الخطاب ليس بناء على طلب خارجي و لكنه نابع من دعوة  الإسلام نفسه كما سأبين ذلك لاحقا  .

كما نجد مفهوما آخر يتكرر,خاصة في الفصل الثالث و هو العولمة,التي هي المحور الرئيسي الثاني للكتاب,و يدعو الكاتب إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التحولات الكونية التي طرأت على عالمنا و التي حولته الى قرية صغيرة بفضل تقنيات التواصل الحديثة ووسائل الإعلام..

يستعمل الكاتب المنهج ألتأصيلي, بحيث يؤصل لعلاقة الإسلام و المسلمين مع'الآخر" غير المسلم انطلاقا  من القران الكريم و السنة النبوية الشريفة,فهو ينطلق من مرجعية إسلامية لتحديد هذه العلاقة , بحيث يحاول أن يبرز أن الإسلام يمكن أن يتعايش مع "الآخر" و يبني خطابا كونيا ينطلق من دعوة الإسلام نفسه.

1)           خطابنا الديني في عصر العولمة:تمهيد.

 

هل يتغير الخطاب الديني؟

 

يتحدث هذا الفصل من الكتاب عن مفهوم الخطاب الديني,ويطرح السؤال عن مشروعية تغييره؟و يقوم بتأصيل شرعي لضرورة تغيير الخطاب من زمان ومكان إلى آخر  .و يقصد الكاتب بالخطاب الديني ب''البيان الذي يوجه باسم الإسلام إلى الناس مسلمين و غير مسلمين لدعوتهم الى الإسلام ,أو تعليمه لهم, و تربيتهم عليه, و يتميز هذا الخطاب بالسعة و الشمول,فهو يشمل الفرد والأسرة و الأمة و الدولة و العالم".(ص15).

و ينتقل بعدها الى الحديث عن الثابت و المتغير في الدين. أ ليس الدين الذي نستمد منه الخطاب ثابتا؟فلماذا يتغير الخطاب و يتنوع بأسباب شتى؟

هذه التساؤلات تحتم علينا ان نبين ان الإسلام في أصوله و كلياته لا يتغير , ولكن الذي يتغير هو أسلوب تعليمه و الدعوة اليه,فالدعوة تتغير بتغير الزمان والمكان و الحال و العرف(ص17),فالقرآن نفسه دليل تغير الخطاب فالقرآن المكي مختلف عن القرآن المدني,فالأول موضوعاته تدور حول ترسيخ العقيدة, أما الثاني فتدور حول تأسيس المجتمع المؤمن و بناء المواطنة.منه نجد الحديث النبوي الشريف يؤكد على شرعية تطويرالخطاب الديني من خلال قوله عليه السلام:"ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها".(رواه ابو داود و الحاكم والبيهقي).

 

 


2)           الخطاب الديني كما رسمه القرآن الكريم:

 

هذا الفصل مخصص لإظهار معالم منهج الخطاب الديني كما جاء في القرآن والسنة,التي يمكن ان نلخصها على الشكل التالي:

-الدعوة واجب كل مسلم,يدعو إلى الله عن طريق أسلوبي الحكمة و الموعظة الحسنة و تكليم الناس بألسنتهم و أخذهم برفق.

- المحافظة على مراتب الأعمال ونسبها الشرعية من خلال الاهتمام بالأشياء والأفكار و الأعمال حسب أهميتها في ديننا الحنيف, فلا يجور تكبير الأمور الصغيرة و لا تصغير الأمور الكبيرة.

-رعاية سنة التدرج التي هي سنة كونية و كذلك هي سنة شرعية حيث تم تحريم بعض المحرمات بطريقة متدرجة,و كذا خطابنا عليه ان ياخذ هذا المعطى بعين الأعتبار.

بعد ذلك ينتقد د.القرضاوي بعض الخطابات التي تخالف المنهج الاسلامي,فينتقد هؤلاء الذين يعيشون في غير عصرهم و الذين يتخذون أدعية استفزازية كالدعاء على اليهود و النصارى كلهم, و نعتهم بأبناء القردة و الخنازير,و يؤكد على أهمية حوار المخالفين بالتي هي أحسن و استعمال مصطلح غير المسلمين بدل الكفار,ومواطنون بدل اهل الذمة,و التعبير بالأخوة الإنسانية عن العلاقة بين البشر كافة.(ص39-52).

 

 

3)           خصائص الخطاب الديني المنشود في عصرنا:

 

لتحديد خصائص الخطاب الديني في عصر العولمة يقوم الكاتب باستعمال الثنائيات بكثرة(الوحي/العقل,الروحانية/المادية,العالمية,المحلية...) و يعطيها تفسيرا علائقيا بحيث يحدد العلاقة التي تربط كل معطى بآخر يؤكد على ضرورة أن يتم التوفيق بينها بحيث لا يطغى أي بعد على الآخر,و هذا يدل على تجاوز الفهم ألتجزيئي إلى التفسير ألعلائقي.


يريد د.يوسف القرضاوي من هذا الفصل ان يظهر مميزات الخطاب الأسلامي أي ما ينبغي ان يكون عليه في ظل التقارب الذي يعرفه العالم اليوم و يمكن تلخيص هذه الخصائص فيما يلي:

 

1.            يؤمن بالله و لا يكفر بالإنسان

 

أي إن هذا الخطاب يدعو إلى الإيمان بالله عز و جل, الخالق المدبر لهذا الكون, الذي أتقن كل شيء صنعه''صنع الله الذي أتقن كل شيء''(النمل88), هذا الإله العظيم الذي انزل رسالته لتحرير الإنسان من عبادة الإنسان و الأشياء إلى عبادة الله.و هذا الإيمان بالله يثمر دعوة تكملها و هي الإيمان بالإنسان الذي كرمه الله''و لقد كرمنا بني آدم''(الإسراء70),و سخر له كل ما في الكون و أعطاه نعمة العقل التي يتميز بها عن الكائنات الأخرى,و الإسلام أعطى أهمية و قيمة للإنسان بصفته إنسان,فمنع الاعتداء على الناس سواء ماديا كالسرقة و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..أو معنويا كالغيبة و النميمة.., لذلك وجب على الخطاب الإسلامي أن يولي أهمية و عناية أكبر للإنسان و معاناته و أن يسهم في تحريره.(ص56-64)

 

2.            يؤمن بالوحي و لا يكفر بالإنسان

 

يؤمن بالوحي باعتباره أساس كل دين سماوي,فالنبي –أي نبي- لم يأت بتعاليم الدين من تلقاء نفسه,فهي وحي أوحى الله إليه عبر عدة طرق للوحي كالإلهام والرؤى الصادقة,ونزول الملك و الخطاب المباشر مع الله تعالى كما كلم الله موسى عليه السلام.و لذلك على المسلمين أن يلتزموا بتعاليم الإسلام و أحكامه و أوامره و نواهيه''و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا''(الأحزاب36).

و مع دعوة الإسلام إلى السمع و الطاعة في أمور الوحي,فإنه يدعو في نفس الوقت إلى استخدام العقل الذي لولاه ما ثبت النقل,لأنه بالعقل نثبت وجود الله والنبوة,فالإسلام يحترم العقل و يعطيه أهمية فهناك العديد من الآيات التي تدعو إلى استعمال العقل و التفكير به لمعرفة الكون''سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق''(فصلت53),و العقل الذي يدعو إليه هذا الخطاب هو العقل الحر الباحث عن الحقيقة و الأسباب الحقيقية لمشكلاته وفق السنن الكونية التي خلقها الله و ليس العقل المقلد و الجامد و الخرافي.ص(65-78)

 


3.            يدعو إلى الروحانية و لا يهمل المادية

 

الإنسان كائن مخلوق من جسد و روح, و هذه الأخيرة تعتبر جوهر الدين و لبه ,فإذا اعتنى الإنسان بجانبه الروحي و أصله السماوي سما و ارتقى,ويمكنه تحقيق ذلك من خلال:

-الإيمان بالله و توحيده

-عبادة الله و تقواه

-الإيمان بالآخرة

-التقرب إلى الله بالنوافل و الذكر

-تطهير القلوب من الآفات النفسية و الخلقية و من أمراض القلوب.

-التقرب إلى الله بفعل الخيرات.

مع الاهتمام الكبير الذي أعطاه الإسلام للجانب الروحي, نجده لا يغفل الجانب المادي منه,فالإنسان مطالب بعمارة الأرض و الاستخلاف فيها ,و لن ينتصر المسلمون دينيا ما لم ينتصروا دنيويا,فالإسلام يحث على الكسب والاستمتاع بالطيبات ما دامت في دائرة الحلال ,كما يدعو إلى العناية بجسم الإنسان من خلال التطهر والتطيب و التجمل.ص(79-90)

 

4.            يعنى بالعبادات الشعائرية لا يغفل القيم الأخلاقية:

 

أي أن الخطاب الإسلامي يدعو إلى أداء الواجبات الشعائرية من صلاة وصيام... بحيث يبقى الإنسان مرتبطا بالله في كل زمان و مكان, و هذه العبادات تثمر أخلاقا و فضائل تظهر على سلوكيات المسلم, و إلا كان هناك خلل, و تتميز الأخلاق الإسلامية بالشمول و العمومية, أي أنها تشمل ميادين الحياة كلها وأنها عامة تشمل المسلمين و غير المسلمين.ص(91-99)

 

5.            يدعو إلى الاعتزاز بالعقيدة كما يدعو إلى إشاعة الحب:

 

أي أن الإسلام يدعو إلى الاعتزاز بالعقيدة و بالانتساب إلى الإسلام,فالمسلم لا يساوم على عقيدته و لا يتنازل عن شيء منها,ولكنه في نفس الوقت يدعو الخطاب الإسلامي إلى إشاعة التسامح والحب مع غير المسلمين,فالله كرم الإنسان لكونه إنسان''ولقد كرمنا بني آدم''(الإسراء70),فالإسلام لم يمنع موادة غير المسلمين إذا لم يكونوا معادين للإسلام و المسلمين,بل بالعكس فالإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج كتابية و الزواج يتضمن المودة و الرحمة فكيف نحاد من نعيش معها حياتنا و من يكونون أصهارنا؟ص(100-107)

6.            يغرى بالمثال و لا يتجاهل الواقع:

 

أي أن الخطاب الإسلامي عليه أن يوازن بين المثل العليا بحيث ينشد أن يكون المسلم المثالي و أن تكون له أسرة مثالية و مجتمع مثالي,و في نفس الوقت لا ينكر الواقع و لا يتعالى عليه,بحيث عليه أن يراعي إنسانيته و قابليته للخطأ,فالإنسان ليس ملكا,بل لديه القابلية للفجور و التقوى''و نفس و ما سواها فألهمها فجورها وتقواها"'(الشمس87),فالخطاب الإسلامي وجب عليه الأخذ الواقع و اكراهاته دون أن يقع تحت ضغط هذا الأخير ليبرر سلوكيات الناس و انحرافاتهم.ص(108-114)

 

7.            يدعو إلى الجد و الاستقامة و لا ينسى اللهو و الترويح:

 

الإسلام يدعو إلى الاستقامة على الطريق القويم, فالمسلم مطالب بان يتحرى الطهارة و الاستقامة في حياته كلها, في كل أمور الدين و الدنيا, فالحلال بين والحرام بين بينهما أمور متشابهات على المؤمن أن يسال عنها أهل العلم أو أن يتركها. و في نفس الوقت على الإنسان إعطاء نفسه بعضا من أوقات الترفيه والتسلية لأن النفس تمل,فالرسول صلى الله عليه و سلم كان يمازح أصحابه وزوجاته,كما انه أتاح لزوجته عائشة أن تنظر إلى الحبشة الذين يرقصون في مسجد رسول الله,كما أن الإسلام دعا إلى تعليم الأبناء السباحة و الرماية و ركوب الخيل,لذا وجب على خطابنا الإسلامي أن يوازن بين الاستقامة والترفيه.ص(115-119)

 

8.            يتبنى العالمية و لا يغفل المحلية:

 

علينا أولا أن نقوم بالتمييز بين مفهوم العولمة و العالمية,فالعولمة تريد فرض هيمنة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على دول العالم خاصة الدول الإسلامية,وهي مصطلح مهذب للاستعمار الجديد,الذي يقضي على الخصوصيات الثقافية للشعوب و يقوم بتنميطها على النموذج الغربي,أما العالمية فهو مصطلح إسلامي يقصد به أن الرسالة الإسلامية ليست مقتصرة على العرب و المسلمين فقط,بل هي موجهة إلى كل العالم و كل الشعوب على قدم المساواة بحيث يكون معيار التفاضل بين الناس هو التقوى"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم''(الحجرات13),فالخطاب الإسلامي عليه أن يوازن بين الدعوة إلى العالمية و في نفس الوقت لا يغفل الواقع المحلي و الإقليمي.ص(120-127)

9.            يحرص على المعاصرة و يتمسك الأصالة:

 

أي أن الخطاب الإسلامي ينبغي عليه أن يأخذ بعين الاعتبار التحولات المعاصرة من تغير في مناهج العلوم والعقلية العلمية, لذلك يدعو د.القرضاوي إلى التجديد في الوسائل,فلكل عصر علمه و لغته الخاصة به,إلا أن التجديد لا يدخل في صلب الدين و لبه وإنما في الوسائل المستعملة للتبليغ به,فالدين في أصوله وكلياته لا يتغير أما الفروع و الجزئيات فتتغير من زمان و مكان إلى آخر.ص(128-133)

 

10. يستشرف المستقبل و لا يتنكر للماضي:

 

أي أن الخطاب الإسلامي ينبغي أن يوجه أنظاره إلى المستقبل ,و المقصود هنا هو ما يصطلح عليه بالتخطيطplanification  و الإحصاء,أي أن المسلم ينبغي أن يقوم بالتخطيط للمستقبل و استشرافه,و لنا في الهجرة النبوية خير دليل,و لكن هذا البعد لا ينبغي أن ينسينا الماضي و التراث, لأنه يشكل ذاكرتنا و هويتنا التي نبني على أساسها مخططاتنا المستقبلية.ص(134-140)

 

11.يتبنى التيسير في الفتوى و التبشير في الدعوة:

 

على الخطاب الإسلامي أن يراعي هذين المبدأين انطلاقا من قوله عليه السلام:"يسروا و لا تعسروا, و بشروا و لا تنفروا"متفق عليه.و كذلك قوله تعالى:"يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر" (البقرة185),ففي ظل هذه العوائق التي تعترض المسلمين من ضعف و إحجام عن الخيرات و كثرة المرغبات في الشر,ينبغي التيسير في الفتوى و هذا لا يعني تحليل ما حرم الله أو تبرير الواقع,فلا يجوز التراخي في الأمور الجوهرية التي ليس فيها  خلاف بين الفقهاء,و كذا ينبغي على الخطاب الإسلامي التبشير في الدعوة, فينبغي أن نرغب الناس في الدين فنذكرهم بالجنة و النعيم, عكس بعض الخطابات التي ينتقدها الكاتب التي تبالغ في استخدام منهج الترهيب و التخويف و التركيز على آيات الوعيد و النار دون ذكر للجنة و النعيم.ص(141-147)

 


12.ينادي بالاجتهاد و لا يتعدى الثوابت:

 

أي أن باب الاجتهاد مفتوح دائما و لأي واحد شرط أن تتوفر فيه شروط المجتهد,فالإسلام صالح لكل زمان و مكان و الواقع الذي نعيش فيه يعرف تغيرات و تحولات كبرى ينبغي للخطاب الإسلامي أن يستوعبها و يعيها لتقديم إجابات حولها و ذالك في إطار المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية.

إلا أن الاجتهاد  لا ينبغي أن يتعدي الثوابت و القطعيات و كذا لا ينبغي أن يتحول الظني إلى قطعي,تحت ما يسمى بالإجماع,لان الإجماع ذاته ليس موضع إجماع.ص(148-157)

 

13. ينكر الإرهاب الممنوع و يؤيد الجهاد المشروع:

 

د.القرضاوي يميز بين الإرهاب الممنوع و الجهاد المشروع,فالإرهاب كلمة هلامية مائعة, لذلك يقوم الكاتب بتحديد المقصود بالعنف أولا ثم الإرهاب ثانيا فالعنف هو" أن تستخدم القوة المادية في غير موضعها,و تستخدمها بغير ضابط من خلق أو شرع أو قانون..وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس,ولا تسال نفسها:ا يجوز قتلهم أم لا؟و هي تعطي لنفسها سلطة المفتي والقاضي و الشرطي"(ص159),أما الإرهاب فهو"أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك و بينه قضية, و إنما هو وسيلة  لإرهاب الآخرين و إيذائهم بوجه من الوجوه و إجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك"و يدخل فيها خطف الطائرات و احتجاز الرهائن و قتل السياح..(ص160),أما الجهاد فالإسلام يؤيده, و المقصود بهذا المفهوم أوسع من القتال الذي اختزله البعض في هذا البعد,فكل مسلم يجب أن يكون مجاهدا و لكن ليس كل مسلم مقاتلا,فالقرآن يطلب من المؤمنين الجهاد بالأموال أولا ثم الأنفس,و قد قسم ابن القيم الجهاد إلى 13 مرتبة منها جهاد النفس و جهاد الشيطان و جهاد المظالم.. لذلك على خطابنا الإسلامي عليه أن يقوم بالتمييز بين الجهاد المشروع و الإرهاب الممنوع خاصة مع الخلل الذي أصاب مفاهيمنا.ص(158-172)


14.ينصف المرأة و لا يجور على الرجل:

 

الخطاب الإسلامي عليه أن ينصف المرأة و يقف بجانبها و يحررها من التطرف الديني و اللاديني ,فالإسلام أعطى للمرأة حقوقا و واجبات مثلها مثل الرجل في كل الميادين و الحقول,فالإسلام أنصف المرأة بصفتها إنسانا فالرجل و المرأة متساويان من حيث النشأة و التكوين و من حيث التكاليف الدينية و الاجتماعية,فالأسطورة التي تزعم بأن حواء هي التي أغوت آدم ليأكل من الشجرة لا أساس لها من الصحة بل الخطأ كان منهما معا''فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه"(البقرة36)وكذلك ينصف الإسلام المرأة بكونها بنتا و زوجة و أم و كعضو مشارك في المجتمع. لذلك وجب على خطابنا الإسلامي أن يهتم بإعادة الاعتبار لدور المرأة و إعطاءها المكانة الحقيقية التي تستحقها.ص(173-183)

 

15.يحفظ حقوق الأقليات و لا يحيف على الأكثرية:

 

أي أن الخطاب الإسلامي في عصر العولمة عليه أن يحرص على حفظ حقوق الأقليات الغير المسلمة داخل الدول الإسلامية,فالإسلام يضمن لغير المسلمين الحق في الاحتفاظ بدينهم السابق من دون إكراه و لا ضغط ,و د. القرضاوي يعترض على قيام بعض الأطراف بدعوات أن الإسلام ينافي مبدأ الحرية لغير المسلمين و يستدل بذلك مثلا أن غير المسلمين ليسوا ملزمين بدفع الزكاة و لا الجهاد كما انه يضمن لهم حرية إقامة شعائرهم الدينية..كما في الوقت نفسه لا ينبغي للأقلية أن تفرض شروطها على الأغلبية,لان هذا يتنافي مع مبادئ الديمقراطية الذي يقتضي حكم الأغلبية للأقلية و إلا وقعنا في ديكتاتورية الأقلية.ص(184-194)

 


ملاحظات ختامية وخلاصة:

 

القارئ لكتابات الشيخ يوسف القرضاوي بصفة عامة و كتابه هذا بصفة خاصة يمكنه أن يلاحظ مجموعة من الملاحظات:

1-تتميز كتاباته بالوضوح في الأفكار و السهولة في الأسلوب, فيمكن لغير المتخصص أن يفهم مقاصد الكاتب و الأفكار الرئيسة التي يريد أن يوضحها, كما تتميز الأفكار بتسلسلها المنطقي و قوتها الاستدلالية فنجده يستشهد بالآيات و الأحاديث الصحيحة و كذلك بالأمثلة و الشعر.

2-يستعمل الكاتب مفاهيم و مصطلحات حديثة(العولمة,الديمقراطية,حقوق الإنسان,المواطنة..)ويوظفها في سياقات مختلفة, فرغم كونه يصنف كمثقف تقليدي, إلا أنه منفتح على حقول معرفية مختلفة.

و في الأخير يأتي هذا الكتاب كإجابة لسؤال تجديد الخطاب الديني في عصر العولمة و هو يصنف ضمن سلسلة الكتب التي أصدرها حول هذا الموضوع و التي يبرز فيها معالم هذا الخطاب و مميزاته و بكونه ينطلق من الكتاب و السنة و انه خطاب منفتح و مرن و وسطي, و انه جاء نتيجة لدعوة الاسلام نفسه و ليس ردة فعل على احداث و ضغوط خارجية.

 



-[1] يعتبر من بين الكتب الأخيرة التي أصدرها ,فقد تم نشرها سنة 2004 بدار الشروق,و هو يأتي في سياق ما يسمى تجديد الخطاب الديني التي دأب الأستاذ على تأسيسها انطلاقا من سلسلة كتب في هذا الموضوع-(انظر مثلا:الصحوة الإسلامية بين الجمود و التطرف,أولويات الحركة الإسلامية,رسائل ترشيد الصحوة الإسلامية...),

 

Tags :

Catégorie : Non spécifié
Créer un blog | Liens : Fonds d'écran gratuits | Bébé Lilly |  Contacter l'auteur